كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٢٠٨ - مناقشة الوجوه الثلاثة التي يثبت وجوب الحذر في آية النفر
تكرار الإنذار من قبل أشخاص متعددين بل من قبل الشخص الواحد أيضا كي يحصل العلم و من ثمّ ليجب الحذر بعد حصول العلم.[١]
إن قلت: لما ذا لا نتمسك بالإطلاق و نقول: إن الآية الكريمة أوجبت الحذر بشكل مطلق و لم توجبه في خصوص حالة حصول العلم، أي لم تقل: لعلّهم يحذرون إن حصل لهم العلم من قول المنذرين؟
قلت: إن الآية الكريمة هي في مقام البيان من ناحية وجوب النفر و ليست في مقام البيان من ناحية وجوب الحذر، فالآية قالت: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ، و هذا واضح في أنها في مقام البيان من ناحية وجوب النفر، و بعد ذلك قالت: وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ ... لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، و هي لا تريد أن تبيّن متى يجب الحذر، و لعلّه واجب في خصوص حالة حصول العلم، و من الواضح أن الكلام إذا كان في مقام البيان من ناحية و لم يكن في مقام البيان من ناحية أخرى فلا يصح التمسّك بالإطلاق من الناحية الثانية التي لا بيان بلحاظها.
ثمّ بعد ذلك ترقّى قدّس سرّه و ذكر أنه يمكن أن نقول: إن الآية الكريمة تشتمل على قرينة خاصة تدل على اختصاص وجوب الحذر بحالة حصول العلم، و تلك القرينة هي: إن الحذر يجب عقيب الإنذار بما حصل التفقّه به، و من الواضح أن التفقه ليس هو مجرد تعلّم الأحكام الشرعية كيفما اتفق بل خصوص الأحكام الشرعية الصادرة من الشرع حقا، أما غير الصادرة و إنما يتخيّل كونها صادرة و يتوهم ذلك فتعلّمها ليس تفقها، و عليه فلا بدّ و أن يحصل إحراز و علم للمنذرين- بفتح الذال- بأن ما انذروا به هو حق واقعا، فالحذر لا يجب تعبدا بل متى ما حصل علم بمطابقة الإنذار للواقع.
[١] مناقشة الوجه الثالث لم يشر إليها الشيخ المصنف و إنما اقتصر على مناقشة الوجه الثاني، و لعلّ ذلك لوضوح مناقشته بعد اتضاح مناقشة الوجه الثاني.