كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٤٣٤ - التنبيه الثالث براءة أو اشتغال
أجل نستثني من ذلك حالة ما إذا أمكن إجراء الأصل لإحراز ترك جميع المفطرات، فإنه إذا فرض جريان الأصل المذكور فلا يعود مانع من ارتكاب الفرد المشكوك، و هذا كما لو فرض أن المكلف أراد تزريق الإبرة وسط النهار، فإنه يتمكن أن يقول: إني قبل التزريق تارك لجميع المفطرات جزما فإذا قمت بالتزريق أشكّ في بقاء ما كان فاستصحبه.[١]
إنه ببركة هذا الاستصحاب يحصل إحراز ترك جميع المفطرات، غايته هو إحراز تعبّدي و ليس إحرازا وجدانيا، و لكن هذا لا يضرّ، فإن اللازم هو إحراز تحقيق المطلوب أعم من أن يكون بالإحراز الوجداني أو التعبدي.
و مثال الحالة التي لا يجري فيها الأصل: ما إذا فرض أن المكلّف لم يكن تاركا للمفطرات إلى طلوع الفجر بل كان يزاولها، و بمجرد طلوع الفجر هجر جميع المفطرات و أخذ بالتزريق في آن واحد، فهنا لا يمكن استصحاب ترك المفطرات، إذ الحالة السابقة حسب الفرض هي مزاولة المفطرات.
إنه من خلال هذا اتّضح أن البراءة تجري في حالتين:
١- إذا كان النهي انحلاليا.
٢- إذا كان الأصل جاريا لإثبات إحراز تحقّق المطلوب.
ثمّ ذكر قدّس سرّه بعد ذلك: و إن شئت قلت: إن المقام شبيه بباب
[١] قد يقال: إن هذا الاستصحاب لا يجري لأن إثبات جواز ارتكاب المشكوك باستصحاب ترك الطبيعة لا يتم إلّا بناء على فكرة الأصل المثبت الذي هو ليس بحجة.
و الجواب: نحن لا نريد إثبات جواز ارتكاب المشكوك بالاستصحاب، فإن ذلك هو مقتضى أصل البراءة بلا حاجة إلى استصحاب- كما سيصرّح به قدّس سرّه في آخر هذا التنبيه- بل نريد أن ننفي المانع من خلال الاستصحاب، فإن المانع من البراءة هو لزوم إحراز ترك الطبيعة، و الاستصحاب يحرز ذلك.