كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٢٦٣ - الدليل الأول على حجية مطلق الظن
الضرر المظنون أمر لازم فيلزم أن يسير المجتهد على طبق ظنه، و بالتالي تثبت حجية مطلق الظن.
و على هذا الأساس يكون هذا الدليل مركّبا من صغرى و كبرى.
أما الصغرى فهي أن المجتهد يحصل له الظن بالضرر لو خالف ظنه بالوجوب مثلا.
و أما الكبرى فهي أن دفع الضرر المظنون أمر لازم.
و الوجه في كلتا المقدمتين واضح.
أما الصغرى فباعتبار أن الوجوب- و هكذا الحرمة- يلازم العقوبة على المخالفة، كما أنه يلازم المفسدة بناء على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في المتعلّق.
و أما الكبرى فقد يقال هي تامة بناء على أن العقل يحكم بحسن الأشياء و قبحها، فإنه بناء على هذا يحكم بلزوم دفع الضرر المظنون، و أما إذا لم نقل بحكمه بذلك و قلنا أن حسن الأشياء و قبحها شرعي لا عقلي[١] فالعقل لا يحكم
[١] هذه المسألة قد وقعت محلا للنزاع بين الأشاعرة من جانب و بين العدلية بالمعنى الشامل للإمامية و المعتزلة من جانب آخر، فالأشاعرة قالوا: إن الكذب مثلا ليس قبيحا في حدّ نفسه بل لأن الشارع قد نهى عنه فصار لأجل ذلك قبيحا، و هكذا الظلم هو ليس في حدّ نفسه قبيحا و إنما نهى عنه الشرع فلذلك صار قبيحا، و الصدق و العدل مثلا هما ليسا حسنين في حدّ نفسهما و إنما الشرع بعد أن أمر بهما صارا متّصفين بالحسن، فالقبيح هو ما قبّحه الشرع و نهى عنه، و الحسن هو ما حسّنه الشرع و أمر به، و بقطع النظر عن أمر الشرع و نهيه لا تتصف الأشياء بالحسن و القبح، بينما العدلية قالوا: إن الكذب مثلا هو في حدّ نفسه قبيح عقلا، و لأجل قبحه المذكور نهى عنه الشرع، فهو قبيح في حدّ نفسه، و لأجل ذلك نهى عنه، لا أنه نهى عنه فصار قبيحا، و هكذا الحال بالنسبة إلى بقية الأمثلة.-- و أحتمل من دون أن تكون لي شواهد على ذلك أن منشأ ولادة الرأي الأشعري خلفيات سياسية، فخلفاء الجور أرادوا تجميد العقول و لا يعترض عليهم أحد كيف يصيرون خلفاء للمسلمين و هم يرتكبون أنواع الظلم و الانحراف؟ إنه قبيح لا يمكن عقلا فاوعز من خلال وعّاظ السلاطين أن العقل لا حقّ له في الحسن و القبح، بل إن اللّه سبحانه بعد أن خلع ثوب الخلافة على فلان و فلان صار نيلهما للخلافة أمرا حسنا لا قبيحا.