كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٤٣٥ - التنبيه الرابع حدود حسن الاحتياط
الواجبات، فكما أن الذمة إذا اشتغلت بواجب فيلزم إحراز الإتيان به، و الإحراز يمكن أن يتحقّق بالأصل،[١] كذلك الحال في باب الحرمة، فإنه يلزم إحراز ترك المفطرات و لو من خلال الأصل و التعبّد.
ثمّ تعرّض قدّس سرّه إلى هذا المطلب، و هو أن المكلّف إذا شكّ عند الصوم في حرمة التزريق عليه مثلا فلما ذا لا تجري البراءة؟ أو لسنا نشكّ في التحريم، و الشكّ في التكليف مجرى للبراءة؟ إن هذا تساءل قد أوضحنا جوابه فيما سبق، و لكن الشيخ المصنف لم يسلّط الأضواء عليه سابقا فأراد تسليط الأضواء عليه الآن فقال: إن جريان البراءة أمر وجيه إذا لم يكن أمامها مانع، و هو حكم العقل بلزوم إحراز ترك جميع المفطرات الذي قد اشتغلت به الذمة يقينا، إنه بعد وجود حكم العقل هذا لا يعود مجال لإجراء البراءة.[٢]
التنبيه الرابع: حدود حسن الاحتياط:
تقدّم في التنبيه الثاني أن الاحتياط حسن عقلا و شرعا، و الآن نؤكّد هذه الحقيقة و نقول: إن الاحتياط حسن بشكل مطلق يشمل حالة قيام الحجة على عدم الوجوب أو عدم الحرمة، و حالة العدم، و من دون فرق
[١] كما لو شكّ في بقاء الوضوء فإنه يستصحب بقاؤه و جواز أداء الصلاة به.
[٢] حصيلة ما أفاده الشيخ المصنف أنه في مثال الصوم لا تجري البراءة لوحدة التكليف بينما تجري في مثال لا تشرب الخمر. هذا و يمكن أن يقال بجريانها حتّى في مثال الصوم، لأن التكليف و إن كان واحدا إلّا أن متعلّقه يشكّ فيه سعة و ضيقا، و الذي يتيقن باشتغال الذمة به هو التكليف الواحد ذو المتعلّق الضيّق الذي لا يشمل تزريق الإبرة، و أما التكليف ذو المتعلّق الوسيع فيشكّ في اشتغال الذمة به فتجري البراءة عنه.
و بعبارة أخرى: إن وحدة التكليف لا تمانع من إجراء البراءة بعد ما كان المتعلّق مردّدا بين السعة و الضيق و إنما تمانع منه لو لم يفترض ذلك. و لعلّه إلى هذا المطلب الجميل أشار قدّس سرّه بقوله: فتفطّن.