كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٤٤٣ - أصل التخيير
سوى أنه قد يقال: نحن نعرف أن الحكم الشرعي واقعا هو إما الوجوب أو الحرمة دون الإباحة، فكيف يلتزم بها مع علمنا بأن الحكم واقعا ليس هو الإباحة بل إما الوجوب أو الحرمة؟
و الجواب: أنه قد تقدّم في مبحث القطع عدم وجوب الموافقة الالتزامية، أي لا تجب موافقة الأحكام على مستوى الالتزام، لعدم الدليل على ذلك، و عليه فلا يلزم على المكلّف في مقامنا الالتزام بالحرمة كما لا يلزمه الالتزام بالوجوب. ثمّ لو تنزّلنا و قلنا: إن الموافقة الالتزامية واجبة فيمكن الوصول إليها، و ذلك بالالتزام بالواقع على إجماله و إبهامه، فالمكلّف يقول: إني و إن حكمت على مستوى العمل بالإباحة الشرعية، أي يباح شرعا الفعل، كما أنه يباح الترك و لكن هذا لا يتنافى و كوني ملتزما بالحكم الواقعي على إبهامه و تردّده، و هذا كما هو الحال في باب الطهارة و النجاسة، فالمكلّف إذا شكّ في أن الأرنب مثلا طاهر في حدّ نفسه أو لا فهو يحكم بطهارته الظاهرية المستندة إلى حديث كل شيء لك طاهر و لكنه في نفس الوقت هو ملتزم في قلبه بحكمه الواقعي في علم اللّه سبحانه الذي هو ربما يكون النجاسة.
و المتحصّل من كل هذا: إن في المسألة احتمالات خمسة، و الشيخ المصنف قد اختار الاحتمال الخامس المركّب من دعويين، و لكن نلفت النظر أنه سيأتي منه بعد قليل إضافة دعوى ثالثة، و هي أن الشرع و إن حكم بالإباحة و لكن العقل لا يحكم بالبراءة العقلية، يعني بقبح العقاب بلا بيان. و على هذا يكون رأي الشيخ المصنف مركّبا من دعاوى ثلاث:
١- إنه على مستوى العمل الخارجي يحكم العقل بالتخيير بين الفعل و الترك.