كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٤١٧ - التنبيه الثاني حسن الاحتياط
احتمل أن مولاه يريد الماء فذهب به إليه فهل ذلك لا يعدّ تقرّبا؟ كلا، بل هو تقرّب جزما، و المولى يشكره و يمدحه على تحريك الاحتمال له.
إذن الجواب المذكور هو: أن احتمال الأمر يكفي لتحقّق المقربية بلا حاجة إلى الجزم به.
هذا هو الجواب المذكور باختصار، و لكنه قدّس سرّه لم يكتف بهذا المقدار و أخذ بذكر بعض المقدّمات و المؤخّرات له من دون ضرورة إلى ذلك أبدا، فذكر قدّس سرّه أن قصد القربة ليس هو على حدّ بقية الأجزاء و الشرائط، فالركوع مثلا وجب لأن الشرع قد أمر به، و لو لا أمره به لم يكن واجبا، و هكذا الحال بالنسبة إلى بقية الأجزاء و الشرائط و لم يشذّ من ذلك إلّا قصد القربة، فإنه لم يجب من جهة الأمر الشرعي، كيف و ذلك أمر غير ممكن، حيث يلزم منه الدور، كما تقدّم إيضاح ذلك في مبحث التعبّدي و التوصلي، و إنما الوجه في لزوم قصد القربة هو حكم العقل من باب لزوم تحصيل الغرض، فالصلاة مثلا وجبت لغرض جزما، و يلزم عقلا تحصيل الغرض المذكور، و حيث نجزم أو نحتمل مدخلية قصد القربة في حصول ذلك الغرض فيلزم الإتيان بقصد القربة عقلا، و إذا قبلنا بهذا فنضمّ إلى ذلك مقدمة ثانية، و هي أنه لا بدّ و أن يؤتى بالعمل على نحو يكون مقرّبا لو كان مأمورا به واقعا، و ذلك بأن يؤتى به بنية الرجاء، أي احتمال تعلّق الأمر به، فإنه آنذاك يقع التقرّب و يكون إطاعة حقيقية على تقدير الأمر به واقعا، و يكون انقيادا على تقدير عدم الأمر به واقعا.[١]
[١] هاهنا تعليقان:
١- إن هذا التطويل لا داعي إليه، و كان المناسب الاقتصار على قوله: إن التقرّب لا يتوقّف على الأمر الجزمي بل يكفي احتماله.-- ٢- إنه ذكر في أثناء كلامه أن العقل هو الحاكم باعتبار قصد القربة دون الشرع، و نحن نقول: هذا لا يؤثّر على المسألة شيئا، إذ بعد اعتبار قصد القربة و لو بسبب حكم العقل يأتي الإشكال، و هو أن التقرّب يتوقّف على الأمر الجزمي، و إذا قيل بأن الأمر الاحتمالي يكفي قلنا: إذا كان كافيا فلا حاجة إلى هذا التطويل بل يلزم من البداية أن يقال في حلّ الإشكال: إن التقرّب لا يتوقّف على الأمر الجزمي بل يكفي الاحتمال.
و من خلال هذا يتّضح الإشكال على عبارة المتن، حيث جاء فيها:
( و إنما اعتبر قصد القربة فيها عقلا ... و عليه كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الإمكان ...) حيث فرّع إمكان الاحتياط على كون الحاكم باعتبار القربة هو العقل، و الحال أن كون الحاكم هو العقل أو الشرع لا يؤثّر شيئا في هذا المجال.