بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٧٧ - هل جواز الإحرام قبل الميقات بالنذر هو تخصيص لما دل على اعتبار الرجحان في متعلق النذر أو أنه من جهة أخرى؟
ولكن مرَّ في شرح المسألة (٦١) أن هذا المبنى غير تام، سواء على مسلك التمليك أو مسلك الالتزام في مفاد النذر, أما على مسلك التمليك فلأنه لا مانع من إنشاء تمليك الغير شيئاً من دون أن يكون ذلك الشيء عيناً كان أو فعلاً أمراً مرغوباً فيه لذلك الغير, كما لو أوصى بملابس رثة لمن لا يرغب فيها أو أوصى بخدمة مملوكه لمن لا يرغب في خدمته, مع أن هذا من قبيل الوصية التمليكية ومرجعها إلى تمليك ملابسه أو تمليك خدمة مملوكه معلقاً على وفاته.
وأما على مسلك الالتزام فلأن ما يمكن أن يدعى أنه مما يتوقف عليه تأتّي الالتزام للغير بفعل شيء هو اعتقاد الملتزم كون ذلك الشيء محبوباً للملتزم له لا كونه كذلك واقعاً.
وعلى هذا الأساس اخترنا وجهاً آخر لاعتبار الرجحان في متعلق النذر، ويتلخص في أن إنشاء الالتزام بأمر لأجل الغير ــ الذي هو مفاد صيغة النذر على الصحيح ــ يتوقف كما قلنا على اعتقاد الملتزم كون ذلك الأمر محبوباً للملتزم له، فلو لم يعتقد أنه محبوب له لم يتأتَّ منه الالتزام له به وإلا تأتّى وإن كان على خلاف الواقع.
ولكن سيرة العقلاء قائمة في الالتزامات الجارية بينهم على عدم قبول الملتزم له بما يقطع له من الالتزام إلا إذا كان الملتزم به مرضياً له، فإذا قال: (التزم لك باستضافة زيد) فإن أبدى الملتزم له رضاه بذلك وقبوله له فلا يكون ذلك إلا إذا كانت استضافة زيد أمراً محبوباً لديه، وإلا فإنه سيرد على الملتزِم بقوله مثلاً: (وما يعنيني ذلك) أو نحو ذلك. هذا في الالتزامات الجارية بين العقلاء.
ويمكن أن يقال: إن الالتزامات الصادرة منهم تجاه الله تعالى بالنذر تنزّل على ذلك، أي أن مقتضى أدلة صحة النذر ولزوم الوفاء به قبول النذور الصادرة من الناس فيما إذا تعلقت بأمور محبوبة لدى الله سبحانه وتعالى. ولذلك لا ينعقد النذر إذا كان المتعلق مباحاً فضلاً عما إذا كان مرجوحاً.
هذا هو الوجه في اعتبار رجحان المتعلق في صحة النذر، وبناءً عليه فإن الاكتفاء بالرجحان الحاصل بسبب النذر لا يستلزم الدور، لأن إنشاء النذر لا