بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٤٢ - الإحرام للحج قبل الميقات بالنذر يلزم وقوعه في أشهر الحج
والوجه فيه: أن النصوص المذكورة مسوقة لبيان كون النذر مسوِّغاً لتقديم الإحرام قبل الميقات، أي أنه ترتفع به ممنوعية الإحرام قبل الميقات، ولا إطلاق لها يقتضي كون النذر رافعاً للمنع من سائر الجهات، ومنها المنع من إيقاع الإحرام للحج قبل أشهر الحج، والمنع من إيقاع الإحرام للعمرة المفردة قبل مضي الشهر الذي أدى فيه عمرة أخرى بناءً على عدم جواز الجمع بين عمرتين في شهر واحد.
والأساس فيه هو ما ذكر في علم الأصول من أنه إذا كان الكلام مسوقاً لبيان جهة معينة ولم يكن مسوقاً لبيان جهة أخرى فلا يصح التمسك بالإطلاق إلا من الجهة الأولى، بل حتى مع الشك في كونه مسوقاً للبيان من الجهة الثانية لا يجوز التمسك بالإطلاق من هذه الجهة.
مثلاً: الآية المباركة التي دلت على جواز الأكل من بيوت الأقرباء وبيت الصديق وما ملك الشخص مفاتحه إنما هي بصدد بيان أن الإذن في دخول البيت كافٍ في جواز الأكل من الطعام الموجود فيه من غير حاجة إلى إحراز الإذن في الأكل من ذلك الطعام. وليس لها إطلاق بالنسبة إلى الطعام الذي يكون عليه قفل، بحيث يحتاج الأكل منه إلى كسر ذلك القفل، لأن الآية ليست في مقام البيان من جهة عدم الاعتداد بما يقتضي عدم الإذن في الأكل من الطعام.
ولكن يمكن أن يخدش في هذا البيان بأنه إنما يتم بالنسبة إلى صحيحة الحلبي ونحوها مما تضمن جواز الإحرام من الكوفة، وأما بالنسبة إلى معتبرة أبي بصير التي تضمنت جواز الإحرام من خراسان فليس الحال كما ذكر، فإن السفر من خراسان إلى مكة المكرمة كان يستغرق عادة في الأزمنة السابقة عدة أشهر، فمن يكون في بداية شهر شوال ــ أي في أول أشهر الحج ــ في خراسان لا يتسنى له الوصول إلى مكة في موسم الحج إذا سار سيراً طبيعياً وفق ما كان متداولاً في تلك الأعصار، بل لا بد من أن يحرم قبل ذلك ليدرك الحج، فترخيص الإمام ٧ في الإحرام من خراسان بالنذر يلزمه الترخيص في إيقاعه قبل أشهر الحج، وإلا لم يبق له إلا الشاذ من الموارد، ولا يمكن حمل الكلام عليه.