بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٧٥ - هل يكفي قول الثقة من أهل الخبرة في تعيين مكان المحاذاة؟
بالإحرام من محاذي ذي الحليفة عن قرب إنما كان من جهة تعسّر تحديد المحاذي البعيد في ذلك الطريق لعدم توفر العلامات التي تفي بالدلالة عليه، فلا يحرز انعقاد الإطلاق للرواية بحيث يقتضي لزوم الإحرام من المحاذي القريب للميقات وإن كان بعده محاذٍ بعيد له، فتدبر.
وكيفما كان فإن بني على تحقق الإطلاق للرواية يلزم الأخذ به، وإلا فالمرجع هو الأصل العملي ومقتضاه الاحتياط على رأي والبراءة عن التعيين على رأي آخر كما تقدم في نظائره.
هذا وسيأتي مزيد كلام حول هذا الأمر في شرح المسألة (١٦٧)، فلاحظ.
الأمر الخامس: إذا حصل العلم بالمحاذاة فلا إشكال، وكذلك إذا شهد بها عدلان شهادة حسية، ومثلها خبر العدل الواحد أو الثقة بناءً على الاعتماد عليه في الموضوعات، وأما مع عدم توفر شيء مما ذكر فهنا سؤالان ..
السؤال الأول: أنه هل يعتمد على قول الثقة من أهل الخبرة في ذلك على أساس جريان السيرة العقلائية ــ الممضاة شرعاً بعدم الردع ــ على حجية قوله في الأمور الخاضعة للحدس والاجتهاد كقول الطبيب والمقوّم وأضرابهما ــ ونظير ذلك ما التزم به جمع من الفقهاء من حجية قول الثقة من أهل الخبرة في تعيين القبلة ــ أم لا عبرة بقوله في المقام؟
قد يقال: إن جهة القبلة ومكان المحاذاة مما يمكن إحرازه بالحس حسب القواعد المقرّرة في علم الهيئة والخرائط الجغرافية والآلات المستحدثة التي يستعان بها لذلك، ومن هنا كان الإخبار عن القبلة أو المحاذي اعتماداً على هذه الأمور ملحقاً بالخبر الحسي دون الحدسي، وعليه فلا سبيل إلى البناء على حجية قول أهل الخبرة المبني على إعمال النظر والاجتهاد في المقام لأن موردها الأمور التي لا سبيل فيها لغير الحدس والاجتهاد، وليس ما نحن فيه من هذا القبيل.
ولكن يمكن أن يقال: إن هذا تضييق في حجية قول أهل الخبرة لا تساعد عليه السيرة العقلائية، فإن وجود بعض المصاديق الجلية التي يمكن إحرازها بالحسّ عادة لا يمنع العقلاء من الرجوع إلى أهل الخبرة في المصاديق غير الجلية