بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٢ - حكم من كان في مكة وأراد الإحرام لحج التمتع
فيحمل على الاستحباب بقرينة صحيحة عمرو بن حريث. ولكن الملاحظ أن الإمام ٧ عقّبه بقوله: ((ثم امضِ وعليك السكينة والوقار فإذا انتهيت إلى الرفضاء دون الردم فلبّ، فإذا انتهيت إلى الردم وأشرفت على الأبطح فارفع صوتك بالتلبية حتى تأتي منى))، وهذا قرينة على كون مراده بالإحرام بالحج في قوله: ((وأحرم بالحج)) هو مجرد عقد القلب على الإتيان به، وأما التلبية التي بها يصير المكلف محرماً وتلحقه أحكامه فتكون في خارج المسجد من مكة المكرمة.
ونظير هذا ما ورد في الإحرام من مسجد الشجرة، ففي معتبرة معاوية بن عمار [١] عن أبي عبد الله ٧ قال: ((صلِّ المكتوبة، ثم أحرم بالحج أو بالمتعة، وأخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء إلى أول ميل عن يسارك، فإذا استوت بك الأرض راكباً كنت أو ماشياً فلبِّ)).
وعلى ذلك فالصحيحة المذكورة كما لا تصلح دليلاً على وجوب الإحرام لحج التمتع في مكة المكرمة لا تصلح دليلاً على استحباب الإتيان بالتلبية عند المقام أو في حجر إسماعيل بل تدل على خلاف ذلك.
الرواية الرابعة: معتبرة يونس بن يعقوب [٢] قال: سألت أبا عبد الله ٧ من أيِّ المسجد أحرم يوم التروية؟ فقال: ((من أيِّ المسجد شئت)).
وهي تدل على جواز الإحرام من أيِّ مكان في المسجد الحرام ولا تدل على وجوب كونه من المسجد، فإن سؤال الراوي لا دلالة فيه على أزيد من المفروغية عن كون الإحرام من المسجد مأموراً به، وأما أنه مأمور به بالأمر الوجوبي فلا يستفاد من كلامه كما هو ظاهر.
هذا ويمكن حمل الرواية على ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة، بأن يكون المقصود من جواز الإحرام من أي موضع من المسجد هو جواز عقد القلب على الإتيان بالحج في أيِّ موضع منه، وأما التلبية فالمستحب أن يؤتى بها عند الرفضاء، فتأمل.
[١] الكافي ج:٤ ص:٣٣٤.
[٢] الكافي ج:٤ ص:٤٥٥.