بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٠٠ - هل يجب الإحرام من مكة القديمة أم يجوز الإحرام من الأحياء المستحدثة فيها؟
الإلزامي وإن لم يطلب المكلف ذلك بل ربما لا يرغب فيه، لأنه يوقعه في الحرج والمشقة.
ومع الغض عن هذا يمكن أن يقال: إن هذه الرواية إنما هي في صدد بيان أصل وجوب تعليم الجاهل، ولا إطلاق لها يقتضي بذل كل علم لكل جاهل به، لأنها محفوفة بما يمنع من انعقاد الإطلاق لها من هذه الجهة وهو سيرة الأئمة (صلوات الله عليهم) والعلماء في عصرهم من عدم بذل العلم إلا وفق ما تقتضيه المصالح، ومنها مصلحة العالم والجاهل، فقد لا تكون مصلحة العالم في إبداء علمه، لأنه يجعله عرضة لبعض الاتهامات الباطلة، وقد لا تكون مصلحة الجاهل ببذل العلم له، لأنه يوقعه في العسر والحرج كما في محل الكلام، لفرض إمكان رجوعه إلى الغير القائل بالحكم الترخيصي مع معذوريته أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة لو كان الحكم الواقعي إلزامياً.
والحاصل: أنه لا يوجد دليل على وجوب إفتاء الفقيه ــ وإن كان يرى نفسه الأعلم ــ في آحاد المسائل الفقهية، حتى في ما فرض قيام الدليل الاجتهادي فيها على الحكم الإلزامي، فضلاً عما إذا كان هو مقتضى الأصل العملي أو كان الحكم غير إلزامي.
وكيفما كان فقد مرَّ في بحث سابق [١] التعرض لما استدل به السيد الأستاذ (قدس سره) على كون العبرة في الأحكام الخاصة بمكة المكرمة بالمقدار الذي كان منها في زمن النبي ٦ ، وتقدم أن عمدة دليله عليه هي صحيحة معاوية بن عمار [٢] عن أبي عبد الله ٧ أنه قال: ((إذا دخلت مكة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية ــ وحدّ بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين، وأن الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن ــ فاقطع التلبية، وعليك بالتكبير والتهليل والتحميد والثناء على الله عزَّ وجل بما استطعت)).
[١] لاحظ ج:٩ ص:٥٩٧ وما بعدها.
[٢] الكافي ج:٤ ص:٣٩٩.