بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٩٩ - هل يجب الإحرام من المسجد المعروف في ذي الحليفة أم يجوز الإحرام من خارجه أيضاً؟
الزمان ضيق المساحة لا يستوعب كل تلك الجموع الكثيرة في وقت واحد. ولو كان المسلمون قد أحرموا منه على شكل دفعات لأشير إلى ذلك في النصوص الروائية والتاريخية الحاكية لكيفية حجة الوداع، مع أنها خالية عنه بالمرّة [١] .
وبالجملة: إن ما يظهر من صحيحة الحلبي من كون مراد النبي ٦ بما وقّته لأهل المدينة من ذي الحليفة هو خصوص مسجد الشجرة مما يصعب الاطمئنان به، ولا سيما أن الرواية حكيت بلفظين أحدهما في الكافي [٢] هكذا: ((ووقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، وهو مسجد الشجرة، يصلى فيه ويُفرض فيه الحج))، واللفظ الثاني في الفقيه [٣] هكذا: ((وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، وهو مسجد الشجرة، كان يصلي فيه ويفرض الحج، فإذا خرج من المسجد فسار واستوت به البيداء حين يحاذي في الميل الأول أحرم)).
ويقرب في النظر أن اللفظ الأول اختصار للثاني وأن الإمام ٧ لم يكن بصدد بيان المراد بذي الحليفة بل كان بصدد بيان كيفية إحرام النبي ٦ منه، وأنه صلى وفرض الحج في المسجد ثم خرج منه فسار، فلما استوت به البيداء عند الميل الأول لبى بالحج. ولكن الراوي لم يُحسن نقل كلام الإمام ٧ ولهذا صارت الرواية بالصورة التي ظاهرها كون الإمام ٧ بصدد بيان مراد النبي ٦ من ذي الحليفة عندما وقّته لأهل المدينة وأنه أراد به خصوص مسجد الشجرة [٤] .
[١] ورد في خبر عبد الله بن سنان أنه سأل أبا عبد الله ٧ : هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحج أن يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال: ((نعم، إنما لبى النبي ٦ على البيداء لأن الناس لم يكونوا يعرفون التلبية فأحب أن يعلمهم كيف التلبية)) (الكافي ج:٤ ص:٣٣٤). وهذه الرواية ظاهرة الدلالة على أن المسجد لما كان لا يستوعب جميع الصحابة في وقت واحد ارتأى النبي ٦ أن يؤجل تعليم التلبية للصحابة إلى البيداء ليؤديها جميعهم في وقت واحد.
[٢] الكافي ج:٤ ص:٣١٩.
[٣] من لا يحضره الفقيه ج:٢ ص:١٩٨.
[٤] ويحتمل أن قول الإمام ٧ : ((وهو مسجد الشجرة)) كان بغرض التعريف بذي الحليفة من باب تعريف الكل بالجزء، وذلك حيث يصير الجزء أعرف منه. ولكن الذي يبعّد هذا الاحتمال ما يظهر من النصوص من أن كون ذي الحليفة اسماً لميقات أهل المدينة كان أمراً معروفاً جداً ولم يطرأ عليه خفاء حتى في عصر الإمام ٧ ليحتاج إلى التعريف بجزئه.