كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٤٤٧ - مناقشة الاحتمالين الثاني و الثالث
و بكلمة أخرى: نحن حكمنا على الفعل بالإباحة الشرعية لقاعدة كل شيء لك حلال، و حكمنا على الترك بالإباحة الشرعية أيضا لقاعدة كل شيء لك حلال، و الآن نقول: هل يمكن الحكم على الفعل- و هكذا على الترك- بالبراءة العقلية، يعني بقاعدة قبح العقاب بلا بيان مضافا إلى الإباحة الشرعية؟ و أجاب قدّس سرّه بالنفي، فلا يمكن تطبيق البراءة العقلية بل الذي يمكن تطبيقه هو البراءة الشرعية فقط.
و ما هو الفارق بين البراءتين؟
إن الفارق هو أن الموضوع في البراءة الشرعية هو عدم العلم- حيث يقول الحديث: رفع ما لا يعلمون- و من الواضح أن عدم العلم متحقّق بلحاظ الوجوب فيكون مرفوعا، و هكذا هو متحقّق بلحاظ الحرمة فتكون مرفوعة، و هذا بخلافه في البراءة العقلية، فإن موضوعها هو عدم البيان- حيث يحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان- و يمكن أن يقال: إن البيان متحقّق بلحاظ الوجوب و هكذا بلحاظ الحرمة، فإن العلم الإجمالي بيان، و لا يختص البيان في نظر العقل بخصوص العلم التفصيلي.
و إذا سألت و قلت: إن البيان إذا كان متحقّقا فلما ذا لا يثبت التنجّز؟ و الجواب: أنه لا يثبت، لا لقصور في البيان، بل لأن الموافقة القطعية غير ممكنة، إذ الجمع بين الفعل و الترك غير ممكن، و هكذا المخالفة القطعية غير ممكنة، و الموافقة الاحتمالية التي تتحقّق بفعل أحدهما متحقّقة بشكل قهري.
و بهذا اتّضح أن الاحتمال الخامس الذي بنى عليه الشيخ المصنف هو مركّب من دعاوى ثلاث لا اثنتين.