كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٣٧٠ - الدليل الرابع العقل
بينما الشيخ المصنّف استدل على ذلك بالسيرة العقلائية و المتشرعيّة على ارتكاب الإنسان لبعض المضار الدنيوية من دون أن يحتمل أحد حرمة ذلك، كالشخص الذي يسافر كسائق لحمل البضائع، و قد تستمر السفرة أشهرا بل عاما كاملا و هو يتحمّل شتى المصاعب و الآلام و الأضرار في سفره الطويل المذكور، و لا يحتمل أحد حرمة مثل هذا السفر.
و لا وجه لأن يجاب بأن هذا السفر هو سفر لأجل الضرورة و معيشة العائلة، فهو جائز لأجل ذلك، إن هذا التوجيه مرفوض، باعتبار أن مثل السفر المذكور يحكم بجوازه حتّى لو كان بلا ضرورة ملحّة تستدعيه.
و بالجملة: إذا كان المقصود من الضرر في القاعدة الثانية هو الضرر الدنيوي فلا نسلّم القاعدة الثانية من الأساس و لا نسلّم بوجوب دفع الضرر الدنيوي المحتمل بل المتيقن.
٢- إنّنا لا نسلّم ملازمة احتمال حرمة الشيء لاحتمال الضرر في متعلّقه، فإن الأحكام تنشأ من مفاسد و مصالح في متعلّقاتها، و تلك المفاسد و المصالح لا يلزم أن تكون من قبيل الضرر و النفع، بل ربما أحيانا يجزم بحرمة الشيء و في نفس الوقت يجزم بعدم ثبوت الضرر فيه، كما هو الحال في السرقة من الناس، فإنها لا توجب الضرر جزما بل توجب نفع السارق، و رغم ذلك هي حرام، و هذا معناه أن الحرمة يلزم أن تنشأ من مفسدة في متعلّقها و لكن تلك المفسدة لا يلزم أن تكون من قبيل الضرر.
و هكذا الحال في بعض العبادات المحرّمة كصلاة التراويح مثلا، فإنها محرّمة لمفسدة فيها، و لكن تلك المفسدة ليست هي من قبيل الضرر على مرتكبها.