كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٢٨٧ - مناقشة المقدمة الثانية
الأوّل ثبوت مائة تكليف وجوبي مثلا فندّعي أنّنا نعلم بإصابة مائة خبر ضمن الكتب المعتمدة للواقع، و تلك المائة تدل على مائة تكليف وجوبي، و بذلك ينحلّ ذلك العلم الأوّل الثابت ضمن مجموع الوقائع إلى العلم بثبوت مائة تكليف ضمن خصوص أخبار الكتب الأربعة مثلا، و حيث إن هذا العلم الثاني علم في دائرة صغيرة يمكن الاحتياط فيها من دون لزوم محذور العسر أو اختلال النظام فيكون الاحتياط واجبا ضمن هذه الدائرة من دون أن تصل النوبة إلى حجية الظن.
نعم قد يدّعى حصول الإجماع على عدم وجوب الاحتياط، و لكنه مدفوع بأن الإجماع ثابت على عدم وجوب الاحتياط ضمن الدائرة الكبيرة، أما عدم وجوبه حتّى ضمن الدائرة الصغيرة فلم يقم عليه إجماع.
مناقشة المقدمة الثانية:
و أما المقدمة الثانية فنسلّم بانسداد باب العلم بالأحكام، و هذا أمر يعرفه كل من له أدنى ممارسة لعملية الاستنباط، فإن الدليل بشكل عام إما ليس بقطعي السند أو ليس بقطعي الدلالة، و لكن لا نسلّم بانسداد باب العلمي، بل هو مفتوح، حيث ذكرنا فيما سبق أن السيرة العقلائية منعقدة على حجية الخبر الذي يوثق بصدوره،[١] و هو واف بمعظم الفقه
[١] الذي تقدّم في الوجه الثالث من وجوه تقرير الإجماع على حجية الخبر أن السيرة العقلائية منعقدة على حجية خبر الثقة لا ما يوثق به، حيث قال ما نصه:
( فيرجع إلى ثالث الوجوه، و هو دعوى استقرار سيرة العقلاء من ذوي الأديان و غيرهم على العمل بخبر الثقة ...) و لم يقل: على العمل بالخبر الذي يوثق به.
و لتوضيح الحال في ذلك أكثر نقول: إنه بعد التسليم بقيام الدليل على حجية خبر الثقة وقع الخلاف بين الأصوليين في أن الحجة هل هو خبر الثقة و إن لم يوثق به- أي-- يطمئن بصدوره- أو أن الحجة هو الخبر الذي يوثق به، أي يطمئن بصدوره بسبب احتفافه ببعض القرائن الموجبة للاطمئنان، فقال بعض: إن الحجة هو خبر الثقة سواء حصل الاطمئنان بصدوره أم لا، و الذي ادّعاه الشيخ المصنف سابقا هو انعقاد السيرة على حجية خبر الثقة لا على ما يوثق أي يطمئن بصدوره.