كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٢٨٠ - الدليل الثالث
ثمّ بعد هذا نقول: إن المناسب بعد هذا العلم الإجمالي وجوب الاحتياط في جميع الوقائع، بأن نأتي بكل شيء نحتمل وجوبه و نترك كل شيء نحتمل حرمته و لو كانت درجة الاحتمال (٣٠%) أو (٢٠%)، و لكن حيث إن هذا يوجب العسر و الحرج فالمناسب في مقام الجمع بين قاعدة وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي و قاعدة نفي العسر و الحرج هو التبعيض في الاحتياط، و ذلك بفعله في المظنونات و تركه في المشكوكات و الموهومات، فإذا ظنّنا بحرمة التدخين مثلا احتطنا بالترك، و إذا ظنّنا بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال احتطنا بالفعل، أما إذا شككنا في الحرمة فلا يجب الاحتياط بالترك، و هكذا لو شككنا في الوجوب فلا يجب الاحتياط بالفعل، و هكذا لو احتملنا الوجوب بدرجة موهومة- أي بدرجة (٣٠%)- فلا يجب الاحتياط بالفعل، و هكذا لو احتملنا الحرمة بدرجة موهومة فلا يجب الاحتياط بالترك.
إذن التبعيض في الاحتياط بشكله المقبول يتحقّق بما ذكرنا، و أما بغير ذلك، بأن نترك الاحتياط في بعض المظنونات و نحتاط في بعض الموهومات و المشكوكات فهو أمر بعيد مرفوض إجماعا.
و إذا وجب الاحتياط بفعل المظنون عند الظن بالوجوب أو بترك المظنون عند الظن بالحرمة فهذا عبارة أخرى عن لزوم الأخذ بالظن و كونه حجة.
و يردّه: أن هذا عبارة أخرى عن التمسّك بدليل الانسداد، غايته بذكر بعض مقدماته و ليس بذكر جميعها، و هو بحاجة في تماميته إلى ضمّ بقية مقدماته، فإن ضمت كان نفس دليل الانسداد الآتي في الوجه الرابع إن شاء اللّه تعالى و ليس شيئا يغايره، و إن لم تضم لم يتم في حدّ نفسه.