حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٧٥ - ٣٥٨ عقوق الوالدين
و قوله عليه السّلام في صحيح الحنّاط: «الإحسان أن تحسن صحبتهما».
و أمّا قوله عليه السّلام فيه: «و أن لا تكلّفهما ...» فالظاهر عدم وجوبه و لو من جهة السيرة.
و الاستشهاد بقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا ... شاهد أو دليل على استحباب عدم التكليف المذكور، كما لا يخفى.
و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين كونهما شابّين أو كبيرين، مؤمنين أو كافرين، بل محسنين أم مسيئين. و ما ثبت من جواز الانتصار و الانتقام، كما مرّ في عنوان «السبّ» و غيره يشكل جريانه في المقام مع هذه التأكيدات، بل ذيل صحيح الكناني صريح في عدم الجواز في الجملة، فلاحظ، و اللّه الأعلم.
الأمر الثاني: حرمة القول لهما ب «أفّ» إذا كانا كبيرين في السنّ، كما في آية الإسراء، و يشكل انسحاب الحكم المذكور إلى غير الكبيرين في السنّ. فتأمّل.
و قال في مجمع البحرين: «الأفّ كلمة يقال لما يتضجّر منه و يستثقل»[١] و يصحّ أن نعبّر عنه بالفارسيّة «ملول شدم» و «خسته شدم» و «از صحبتتان حوصلهام سر رفت» و أمثالها.
ثمّ بلوغهما الكبر يفهم من الصدق العرفي؛ لعدم ضابط معيّن فيه، كما لا يخفى.
الأمر الثالث: حرمة نهرهما، أي زجرهما، و في منتهى الأرب: نهر: سرزنش كردن و بانك بر زدن، و منه قوله تعالى: وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ.
ثمّ الظاهر ثبوت الحرمة لزجر الوالدين غير الكبيرين أيضا، لكن لا بعنوان النهر، بل من جهة ترك الإحسان الواجب؛ فإنّه من أفراده، كما أنّ القول الكريم و خفض الجناح أيضا من أفراده، و ليسا شيئا آخر على الظاهر. و تفسير القول الكريم بالاستغفار في صحيح الحنّاط من باب التطبيق دون الحصر. و أمّا الاسترحام، فيشكل القول بوجوبه، و من حمل الأمر به وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما ... على الندب لم يكن مخالفا للسيرة المتّصلة بزمان المعصوم عليه السّلام.
[١] . و قال أيضا: و في كلمة« أفّ» على ما قيل تسع لغات.« أفّ» بحركات ثلاث بغير تنوين، و بالحركات الثلاث مع التنوين و أفّة. و قال صاحب القاموس: أفّ يؤفّ و يئفّ و تأفّف من كرب أو ضجره و أفّ كلمة نكرة ... و لغاتها أربعون ...
و بهذا العدد صرّح صاحب منتهى الأرب أيضا.