حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٣١ - ٢٥٦ التسبيب إلى المعصية
لا يقال: إنّ حديث الرفع و غيره من أدلّة البراءة، يدلّ على عدم تكليف الجاهل، و العقل يحكم بعدم استحقاق الغافل و الجاهل القاصر لعقاب، بل الحقّ أنّ العقاب و الذمّ ليسا على مخالفة التكاليف الواقعيّة نفسها، بل على المخالفة الاختياريّة العمديّة، و عصيان التكليف، و التجرّيّ، كما حقّقناه في صراط الحقّ، فإذا لم يستحقّ المباشر- لجهله أو لنسيانه و سهوه- العقاب و العتاب، بل يكون فعله مباحا، كيف يحرم على الغير تسبيبه، و هل هو إلّا تسبيب للمباح؟
فإنّا نجيب عنه أوّلا: ببقاء التكليف على الجاهل كبقائه على العالم؛ غاية الأمر أنّه لا يستحقّ العقاب إذا كان معذورا في جهله، و مجرّد عدم استحقاقه العقاب لا يدلّ على جواز الفعل أو الترك، بل مقتضى إطلاق أدلّة التكاليف، و ظاهر ما دلّ على عموم الأحكام للعالمين و الجاهلين- أو صريحه- هو تعلّق التكليف الواقعي به. نعم، الغافل لمكان عجزه غير مكلّف حال غفلته.
و ثانيا: إنّا لم نقل بحرمة إيقاع الغير فيما يحرم عليه حتى يورد عليه بما قيل، بل نقول: إنّ المفهوم من أدلّة التكاليف- ببناء العقلاء و سيرة العرف- حرمة مخالفتها بالمباشرة، و بتوسّط الغير سواء يحرم من الغير أيضا كما في الجاهل أم لا، كما في الناسي و الساهي و النائم، كما إذا أدخل الخمر في فم النائم أو الناسي، بل، و كما إذا قدم خمرا أو نجسا للغافل و الجاهل فشرباه.
فإن قلت: إن كان المحرّم هو التسبيب مطلقا و لو بالنسبة إلى غير المكلّف، فيلزم أن يحرم إطعام النجس للكفّار و الأطفال و المجانين، و إذا خصّصنا الحكم في حقّ المكلّفين، فيجوز تقديم الطعام النجس- مثلا- إلى الأطفال، و المجانين، و النائمين و الغافلين بسهو أو نسيان، بل الكفّار أيضا بناء على ما ذهب إليه المحدّث الكاشاني في الوافي و الصافي، و المحدّث البحراني في حدائقه، و سيّدنا الأستاذ الخوئي (دام ظلّه)[١] من عدم تكليفهم بالفروع.
قلت: مقتضى الأدلّة اللفظيّة هو تحريم الفعل و الترك مباشرة، و إنّما نقول بحرمة
[١] . صرّح لي به شفاها في أواخر أيّامي في النجف الأشرف و إن كان أوّلا قائلا بقول المشهور.