حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٠٨ - ١٠٥ الأمن من مكر الله
و ليس حال هذه الأدوار حال الأدوار السابقة على الإسلام في نزول البلاء السماوي و استئصال الناس بالعذاب.
و أمّا ما يقع في بعض الأمكنة أحيانا من الزلزلة و الخسف و الطوفان و نحوها، فلا دلالة فيها على أنّها من جهة الانتقام؛ إذ كثير منها في البلاد الإسلاميّة التي فيها المستغفرون، و الغالب وقوعها في القرى دون الحاضرات (المدن) التي تكثر فيها المعاصي و الفسوق و الكفر، و ليكن هذا الذي ذكرنا قرينة على أنّ حرمة الأمن من مكر اللّه من جهة اعتقاد عدم قدرته تعالى على إيصال العذاب إلى الناس، و هذا حقّ، بل يكون هذا موجبا للكفر- نعوذ باللّه منه- و لا يراد به الاطمئنان بعدم وقوع العذاب و إن اعتقد أنّه تعالى قادر عليه، لكنّه لا يفعل لكرمه و رحمته و فضله، فتأمّل؛ فإنّ المقام لا يخلو عن غموض و تردّد.
و قال السيّد الأستاذ الخوئي- كما كتبه لنا من النجف الأشرف-:
الظاهر أنّ المراد ممّن يأمن مكر اللّه تعالى هو من لا يبالي بالدّين و بالحلال و الحرام، و يفعل ما يشاء، و يترك ما يشاء، فكأنّه لا جنّة و لا نار. و إن شئت فقل: إنّ المراد من ذلك صدور الفعل من الفاعل في الخارج مأمونا من عذاب اللّه غير خائف منه تعالى، و عليه فمن الطبيعي أنّ حرمته إرشاديّة لا مولويّة. انتهى كلامه.
نعم، قد ثبت اليوم (يوم إصلاح هذه الأوراق للطبعة الثالثة، ١٣٨٤ ه ش) أنّ أربعين مليونا من الذين ابتلوا بمرض الأيذر، محكومون بالموت حتما بين حين و آخر. نعم، ليس كلّ هؤلاء المبتلين، متمرّدين و معتادين بالفحشاء، بل عدّة منهم ورثوا المرض من الآباء و الأمّهات، أو بالعداء من غير التفات بقانون الأسباب الفيزيائيّة، كما قال: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً.
لكنّها ليست من العذاب الموعود المهدّد به في الآيات المتقدّمة، إلّا أن يقال بأنّها غاشية من عذاب اللّه. فلاحظ.