حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٦٣ - بيان
بمثله في شيء من فروع الدين إلّا في تولّي أعداء الدين؛ فإنّ التشديد فيه أيضا هي تشديد الربا، و أمّا سائر الكبائر، فإنّ القرآن و إن أعلن مخالفتها و شدّد القول فيها، فإنّ لحن القول في تحريمها دون ما في هذين الأمرين حتى الزنا، و شرب الخمر، و القمار، و الظلم، و ما هو أعظم منها، كقتل النفس التي حرم اللّه، و الفساد، فجميع ذلك دون الربا، و تولّي أعداء الدين.
أقول: من لاحظ الآيات الواردة في الربا و الآيات الواردة في تولّي أعداء الدين، و قد ذكرناها في هيأة «الأخذ»، يعلم أنّ أمر الربا أشدّ في القرآن من أمر التولّي بكثير، و كذا من جميع الفروع حتّى القتل، و الظاهر أشدّيّة أمر القتل من أمر التولّي، فلاحظ[١].
المبحث الثاني: أنّ اللّه تعالى لم يبيّن معنى الربا و حدوده مع تشديده في حرمته؛ فإنّ الربا إن كان بمعنى الزيادة- كما هو الظاهر- فالأمر واضح؛ إذ ليس مطلق الزيادة بحرام، و كذا إن كان بمعنى الأخذ بأكثر ممّا أعطاه، فلا بدّ من مراجعة السنّة في فهم المراد.
و الخبط- على ما قيل- هو المشي على غير استواء، فلعلّ المراد أنّ آكل الربا ينحرف عن الطريق الوسط بمسّ الشيطان، و مع ذلك فهو لا يدلّ على حرمة أكل الربا؛ فإنّ الانحراف المذكور مرتّب على الأكل و إنكار الحرمة، منه ظهر أنّ الأنسب لتشريع الحكم ابتداء هو آية النساء، و أنّ آيات البقرة مبسوقة بالحرمة، كما يظهر للمتدبّر.
فقوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ... إخبار لا إنشاء. ثمّ إنّ تحريم الربا في قوله: وَ حَرَّمَ الرِّبا تكليفيّ، كما يستفاد من السياق، و وضعيّة تحليل البيع لا تكون قرينة على كون التحريم المذكور أيضا وضعيّا بحتا[٢].
و قوله تعالى: فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ يدلّ على وجه على فساد المعاملة و الحرمة الوضعيّة مطلقا و إن لم يتب، فإنّ عدم التوبة لا يصحّح المعاملة الربويّة قطعا، و
[١] . إلّا أن يقال: في آيات البقرة أمران مهمّان: أحدهما: وعد الخلود في النار. و ثانيهما: الحرب من اللّه و رسوله. و الأوّل وارد في حقّ قتل المؤمن أيضا، و الثاني- بقرينة ذكر الرسول- تهديد بالقتل و العذاب الدنيوي، و اللّه العالم بالواقع.
[٢] . لكنّه يدلّ على بطلان المعاملة أيضا، و إن شئت فقل: الحرمة أعمّ من التكليفيّة و الوضعيّة.