حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٠٧ - ١٠٥ الأمن من مكر الله
إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ»[١].
أقول: و الآية المستشهد بها في نفسها أيضا لا تخلو من دلالة على الحرمة، و اللّه العالم. و في صحيح ابن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «إنّ من الكبائر ... و الأمن من مكر اللّه»[٢]، و مثله غيره.
ثمّ المراد بالمكر هو العذاب الدنيويّ، كخسف الأرض، و إرسال الحاصب، و نحو ذلك دون العقاب الأخرويّ كما يظهر من الآيات المتقدّمة.
و تلك الآيات متوجّهة إلى الكفّار و تخويفهم بالعذاب، و لا نظارة لها إلى المؤمنين سوى قوله تعالى: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ فإنّ إطلاقه يشمل الجميع.
و الصحيحة أيضا قرينة عليه، فلا يجوز للكفّار أن يأمنوا العذاب؛ لكفرهم؛ و للمؤمنين لعصيانهم.
و لقائل أن يقول: إنّ المؤمن كيف لا يأمن من عذابه تعالى، و لا أقلّ من استغفاره في بعض الأوقات أو في الصلاة، و قد قال اللّه تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[٣]،[٤].
و قال اللّه تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ و المكفّر لا ينزل لأجله العقوبة. فلم لا يجوز لمجتنب الكبائر الأمن من مكر اللّه تعالى؟[٥]
هذا مضافا إلى التجربة المفيدة للعلم أو الاطمئنان الحاصلة من مرور مئات سنين بأنّ اللّه لا يعذّب المؤمنين على معاصيهم، بل الكفّار على كفرهم- غالبا- و الناظر في حال كفّار عصرنا و الأعصار المتقدّمة يطمإنّ بأنّ اللّه أمهل معظمهم إلى حين الموت، و أنّ هذه الدار ليست دار انتقام.
[١] . وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٢٥٢.
[٢] . المصدر، ص ٢٥٤.
[٣] . الأنفال( ٨): ٣٤.
[٤] . إن قلت: العذاب المنفيّ بالاستغفار هو عذاب الأمّة بأجمعها استئصالا لهم، كما في الأمم الماضية، و أين هذا من إيصال مكر اللّه إلى كلّ فرد فرد؟ قلت: لو سلّم الأوّل لا نسلّم الأخير؛ إذ مقتضى قوله: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ، ليس هو احتمال وصول المكر إلى كلّ فرد، لاحظ الآيتين اللتين قبل الآية تجد صدق ما قلنا.
[٥] . إلّا أن يقال: كلّ ذلك تقييد لإطلاق الآية بالدليل الشرعي، و هو لا يضرّ بإطلاقها في الباقي.