حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٤ - ه) ما معنى المودة و التولي و اتخاذ الأولياء
و قال:
في سورة المائدة «الاتّخاذ» هو الاعتماد على الشيّء لإعداده لأمر، و هو افتعال من الأخذ، و أصله الاتّخاذ، فأبدلت الهمزة تاء، و أدغمت في التاء التي بعدها، و مثله الاتّعاد من الوعد، و الأخذ يكون على وجوه: تقول: أخذ الكتاب إذا تناوله، و أخذ القرآن إذا تقبّله، و أخذ اللّه من مأمنه إذا أهلكه، و أصله جواز الشيّء إلى جهة من الجهات. و الأولياء جمع الوليّ و هو النصير؛ لأنّه يلي بالنصر صاحبه، انتهى ما أردنا نقله.
و عن الراغب في مفرداته:
الولاء و التوالي أن يحصل شيآن فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، و يستعار ذلك للقرب من حيث المكان، و من حيث النسبة، و من حيث الدين، و من حيث الصداقة، و النصرة، و الاعتقاد»، انتهى. و قيل: التولّيّ: اتّخاذ الولّيّ.
أقول: و في اللغة: ودّ: أحبّه، و توادّ الرجلان: تحابا.
فالنتيجة أنّ محبّة الكفّار المذكورين حرام، و جعلهم أنصارا صدّيقين حرام أيضا، و لا يجوز للمسلم أن يولد بينه و بينهم التحابب، و المعاونة، و الصداقة، و المراودة يركن إليهم، و يلتجؤون إليه.
نعم، يرتفع الحرمة المذكورة في صورة الضرر و الخوف منهم، فيجوز المعاونة، و المراودة بلا صداقة قلبيّة؛ لقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً. ثمّ إنّه هل تجوز الشركة معهم في المعاملات التجاريّة؟ و هل يجوز أداء ما تعارف بين المتلاقيين في العرف من الرسوم الأخلاقيّة معهم خصوصا إذا كانوا أقارب أو جيرانا؟
قلت: الظاهر جواز الأمرين معا؛ لعدم دليل على المنع، بل لا يبعد شمول قوله تعالى: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً لهم أيضا، و إنّما الحرام مودّتهم، و المراودة معهم بحيث يصدق أنّه اتّخذهم أولياء.
و قد ورد في الروايات المعتبرة سندا إطعام الأسير، و سقيه، و الرفق به و إن كان يراد من الغد قتله، بل في بعض الروايات أنّ إطعام الأسير، و الإحسان إليه حقّ واجب و إن كان يراد قتله من الغد، لاحظ الروايات في الوسائل[١].
[١] . مجمع البيان، ج ١١، ص ٦٩.