حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٠ - جعل الله عرضة للأيمان
جعل اللّه عرضة للأيمان
قال اللّه تعالى: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً[١] لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[٢].
قال بعض السادة المفسّرين المعاصرين:
و معنى الآية- و اللّه أعلم- وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً تتعلّق بها أيمانكم التي عقدتموها بحلفكم أن لا تبرّوا و تتّقوا و تصلحوا بين الناس؛ فإنّ اللّه سبحانه لا يرضى أن يجعل اسمه ذريعة للامتناع عمّا أمر به من البرّ و التقوى و الإصلاح بين الناس ... و على هذا، يصير قوله تعالى: أَنْ تَبَرُّوا إلخ بتقدير «لا» أو لأن تبرّوا و هو شائع، مع «أن» المصدريّة كقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا[٣]، أي لن لا تضلّوا أو كراهة أن تضلّوا.
و يمكن أن لا يكون بتقدير «لا» و قوله تعالى: أَنْ تَبَرُّوا متعلّقا بما يدلّ عليه قوله تعالى: وَ لا تَجْعَلُوا من النهي أي ينهاكم عن الحلف الكذائيّ، أو يبيّن حكمه الكذائيّ أن تبرّوا و تتّقوا و تصلحوا بين الناس.
و يمكن أن يكون «العرضة» بمعنى ما يكثر عليه العرض، فيكون نهيا عن الإكثار من الحلف باللّه سبحانه، و المعنى: لا تكثروا من الحلف باللّه؛ فإنّكم إن فعلتم ذلك أدّاكم إلى أن لا تبرّوا و لا تتّقوا و لا تصلحوا بين الناس؛ فإنّ الحلّاف الكثير من اليمين لا يستعظم ما حلف به ....
و الأنسب على هذا المعنى أيضا عدم تقدير «لا» في الكلام، بل قوله تعالى: أَنْ تَبَرُّوا منصوب بنزع الخافض، أو مفعولا له بما يدلّ عليه النهي في قوله: وَ لا تَجْعَلُوا.
[١] . قال بعض المفسّرين: العرضة من العرض، و كإراءة الشيء للشيء حتّى يرى صلوحه، كما يريده و يقصده، كعرض المال للبيع، و عرض المنزل للنزول، و عرض الغذاء للأكل ... و الإيمان جمع يمين، مأخوذة من اليمين بمعنى الجارحة؛ لكونهم يضربون بها في الحلف و العهد و البيعة، فاشتقّ من آلة العمل اسم العمل للملازمة بينهما، كما يشتقّ من العمل اسم آلة العمل، كالسّبابة للأصبع التي يسبّ بها. الميزان، ج ٢، ص ٢٣٢.
[٢] . البقرة( ٢): ٢٣٤.
[٣] . النساء( ٤): ١٧٥.