حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٠٤ - ٢٤٤ الرياء
يكثرون تلاوة القرآن، قال: فيقول لهم خازن النار: أشقياء! ما كان حالكم؟ قالوا: كنّا نعمل لغير اللّه عزّ و جلّ، فقيل: تأخذوا ثوابكم ممّن عملتم له (لهم)»[١].
أقول: دلّت الرواية على حرمة الرياء، و أخذ الثواب ممّن عمل له لا يدلّ على بطلان العمل ضرورة أنّ نفي الثواب لا يدلّ على البطلان؛ لاشتراطه بما لا يشترط في الصحّة، و كثيرا ما يخلطون بين الأمرين، كما أنّ عدم إحراق الأعضاء لأجل الأعمال المذكورة، لا يدلّ على صحّة الأعمال الصادرة رياء؛ إذ لعلّها باطلة؛ و لكنّها مع ذلك مانعة عن العذاب، فتأمّل؛ إذ يمكن أن يقال: إنّ الرواية لا تدلّ على حرمة الرياء، بل على بطلانها و دخول النار لأجل عدم الإتيان بالعبادات الواجبة المأمور بها.
في صحيح هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد، عن الصادق، عن الباقر عليهما السّلام: «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سئل فيما النجاة غدا؟ فقال: إنّما النجاة في أن لا تخادعوا اللّه فيخدعكم، فإنّه من يخادع اللّه يخدعه و يخلع منه الإيمان (ينزع)، و نفسه تخدع لو تشعر. فقيل له:
و كيف يخادع اللّه؟ قال: يعمل بما أمره اللّه، ثمّ يريد به غيره، فاتقوا اللّه (فاجتنبوا) الرياء؛ فإنّه شرك باللّه، إنّ المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، و بطل أجرك، و لا خلاق لك اليوم، فالتمس (فاطلب) أجرك ممّن كنت تعمل له»[٢].
أقول: الرواية تدلّ على حرمة الرياء و شدّتها، و ليست كلمة «ثمّ» للتراخي الزماني، بل المراد إرادة الغير بالعمل في حينه، و يمكن أن يقال: إنّ إطلاقها يشمل صورة استقلال الغير و انضمامه، و لا يبعد دلالة قوله: «حبط عملك» و بعده على بطلان العمل أيضا، و كذا قوله: «فإنّه شرك باللّه»[٣]، و يمكن أنّ الرواية تدلّ على بطلان العمل دون الحرمة؛ لاحتمال كون الأمر أرشادا إلى بطلانه و ما يترتّب عليه من العقوبة و العذاب.
و الروايات الواردة في الباب كثيرة، لاحظ جامع الأحاديث[٤].
[١] . المصدر، ص ١٠١ و ج ١، ص ٤٣٤( الطبعة الحديثة)؛ بحار الأنوار، ج ٨، ص ٢٢٥.
[٢] . المصدر.
[٣] . فإنّ الرياء فعل عبادي، فإذا حرم فقد بطل؛ لأنّ النهي في العبادات يوجب الفساد، ضرورة عدم كون المبغوض مقرّبا، و في المنجد: الرياء: التظاهر بخير دون حقيقة.
[٤] . جامع الأحاديث، ج ١، ص ٤٢٥- ٤٥٨.