حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣١ - د) ما ذا استثني؟
بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ ...[١].
أقول: الاستثناء في الآية الأخيرة بكلا فرديه غير راجع إلى اتّخاذ الوليّ و النصير، بل إلى القتل، كما يظهر من قبلها و من قوله: مِيثاقٌ، و من قوله تعالى: فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا.
و إنّما الكلام في استثناء الآية الأولى، فنقول: إنّ قوله تعالى: أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ بدل اشتمال لقوله: عَنِ الَّذِينَ، و معنى الآية: إنّ اللّه لا ينهاكم عن برّ الكفّار الذين لم يقاتلوكم، و لم يخرجوكم من دياركم، و لا عن الإقساط معهم؛ فإنّ العدالة في نفسها حسنة.
و هذا ليس من الاستثناء في شيء؛ إذ المحرّم هو اتّخاذ الكفّار أولياء، و تولّيهم، و مودّتهم، و هذا ينطق بجواز البرّ و الإحسان و العدل مع الكفّار غير المضرّين، و لا ربط بين الأمرين. و قد مرّ منّا القول بجواز الإطعام و غيره للكافرين إذا كان بلا محبّة.
قال أمين الإسلام الطبرسي في المجمع في ذيل الآية الشريفة المذكورة:
و الذي عليه الإجماع أن برّ الرجل من يشاء من أهل الحرب قرابة كان أو غير قرابة ليس بمحرّم، و إنّما الخلاف في إعطائهم مال الزكاة و الفطرة و الكفّارات، فلم يجوّزه أصحابنا، و فيه خلاف بين الفقهآء، انتهى يعني فقهاء غير الإماميّة.
قال المحقّق في الشرائع: «و لو أوصى الذّميّ للراهب و القسّيس و غيرهما جاز، كما تجوز الصدقة عليهم، و الهبة، و غيرهما». و عقّبه صاحب الجواهر بقوله: «بلا خلاف و لا إشكال؛ للعموم»[٢].
أقول: لكنّ قوله تعالى بعد ذلك: إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ ... يدلّ على أنّ المحرّم إنّما هو تولّي الكفّار المقاتلين للمسلمين، المخرجين لهم من ديارهم، و قضيّة الحصر المستفاد من كلمة إِنَّما عدم حرمة تولّي الكفّار غير المضرّين و إن كانوا متعصّبين لدينهم، و بهذا الحصر يخصّص سائر الإطلاقات.
[١] . النساء( ٤): ٨٩.
[٢] . جواهر الكلام،( كتاب الجهاد)، ص ٦٥٩.( الطبعة القديمة).