حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٤ - تحقيق المقام
في السؤال؛ و ذلك لأنّ الفعل الذي يترتّب عليه إيذاء المؤمن يتصوّر على أقسام:
الأوّل: ما يترتّب عليه الإيذاء من دون التفات الفاعل.
الثاني: ما يترتّب عليه الإيذاء مع علم الفاعل و التفاته، و لكنّه لم يفعل ذلك بداعي الإيذاء، كما إذا فتح شخص محلّا للتجارة و يعلم أنّ جاره يتأذّى من ذلك.
الثالث: الفاعل لفعل قاصدا به إيذاء المؤمنين، فلا إشكال في دخول هذا القسم في مدلول الآية الكريمة و صحيحة هشام؛ فإنّه المتيقّن إرادته منهما، كما أنّه لا إشكال في خروج القسم الأوّل، و إنّما الكلام في القسم الثاني هل إنّه داخل في مدلولهما أم لا؟ و الظاهر عدم دخوله؛ و ذلك لأنّ الظاهر من قوله تعالى وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ ... هو أنّهم كانوا قاصدين للإيذاء، و كانوا بصدد ذلك، فلا إطلاق لها.
و عليه، فمن لم يكن بفعله قاصدا للإيذاء، بل فعله لغاية أخرى، كالمثال المذكور في القسم الثاني لا يكون مشمولا للآية الكريمة، و على تقدير الإطلاق، فلا بدّ من رفع اليد من هذا التعميم، و ذلك لجريان السيرة القطعيّة على جوازه من زمان الأئمّة عليهم السّلام إلى زماننا هذا، و لا يختلف فيه إثنان، مثلا من تزوّج بزوجة ثانية يعلم بأنّ زوجته الأولى تتأذّى بذلك، فهل يحتمل أحد حرمة ذلك؟ و منه يظهر حال الأمثلة المشار إليه في السؤال.
على أنّه يمكن القول بأن الآية الكريمة غير ناظرة إلى حرمة الإيذاء أصلا فضلا عن إطلاقها؛ و ذلك لأنّها في مقام بيان إيذاء جماعة المؤمنين و المؤمنات؛ لتلبّسهم بالإيمان؛ و اعتناقهم العقيدة الإسلاميّة، و ليست في مقام بيان حرمة الإيذاء،
و اللّه العالم.
أقول: هذا كلامه فلاحظ و تدبّر فيه.
و نختم الكلام بما رواه الصدوق بإسناده إلى قضايا أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ رجلا قال له: إنّ هذا زعم أنّه احتلم بأمّي؟ فقال: «إنّ الحلم بمنزلة الظّلّ، فإن شئت جلدت لك ظلّه- ثمّ قال- لكنّي أؤدّبه به لئلّا يعود يؤذي المسلمين»[١].
[١] . وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٤٨٥.