حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٢ - ١٦ إيذاء المؤمنين
صاحبه ملعونا في الدنيا و الآخرة، كما نصّ عليه القرآن[١].
ثمّ إنّ الآية و الرواية معا تدلّان على حرمة إيذاء المؤمنين و لكن يفترق مدلولهما من جهات شتّى:
[الجهة] الأولى: أنّ المراد بالمؤمن في الآية- و لو بحكم أصالة الإطلاق- مطلق من حكم بإسلامه و إيمانه باللّه و رسوله و إن لم يكن إماميّا؛ لأنّ هذا هو المعهود المتعارف من لفظ «المؤمن» في زمان نزول الوحي، و أمّا الرواية، فهي و إن لم يبعد اختصاص المؤمن فيها بالإمامي من جهة الانصراف غير أنّها لا تصلح لتقييد الآية الكريمة؛ لعدم التنافي بينهما، كما لا يخفى. و ما قال جمع من الأعاظم في وجه التخصيص لا ينهض حجّة على إطلاق الكتاب العزيز.
[الجهة] الثانية: أنّ الرواية اشتملت على إكرام المؤمنين و هو مستحبّ غير واجب، و الأمن من الغضب لا يكون أمارة الوجوب، و لذا يتفرّع على الصدقة و غيرها من المندوبات.
[الجهة] الثالثة: الأذيّة في الرواية أعمّ من الأذيّة اللسانيّة و غيرها، و من أي جهة حصلت، لكنّها في الآية يحتمل الاختصاص باللسانيّة؛ لقوله تعالى: فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ ... و هذا الاحتمال لا يبقي ظهورا للصدر في الإطلاق، فالحكم بحرمة مطلق الأذيّة يستند إلى الرواية، أو إلى العقل.
[الجهة] الرابعة: أنّ حرمة الإيذاء مخصوصة بغير من اكتسب ما يجوز، أو يجب إيذاؤه، كما في حقّ من وجب عليه إجراء الحدود و التعزيرات و القصاص، أو جاز أخذ الحقّ منه و نحو ذلك، و هذا ممّا لا إشكال فيه، و قد صرّح بالتخصيص المذكور في الآية الشريفة، و عليه يحمل إطلاق الرواية.
و هل يجوز إيذاء المؤذي انتصارا و انتقاما؟ لا يبعد القول بالجواز؛ لإطلاق المستثنى في ذيل الآية المتقدّمة، و سنوضحه بأكثر من هذا في حرف «س» في عنوان «السبّ» إن شاء اللّه.
ثمّ إنّ إطلاق الآية و الرواية هو عدم الفرق بين المؤمن المتجاهر بالفسق و عدمه إذا
[١] . في القرآن أيضا: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ... وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً.