حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٣٢ - ٢٥٦ التسبيب إلى المعصية
التسبيب لأجل بناء العقلاء و حكم العرف، كما أشرنا إليه. و هذا ممّا لا شكّ فيه غير أنّ الحرمة المذكورة تختلف سعة و ضيقا باختلاف مبغوضيّة الآمرين كثرة و قلّة، كما لا يخفى. و هذا- أي تحديد المبغوضية- لا بدّ من إحرازه من الخارج.
و في الأحكام الشرعيّة يصحّ أن نقول: إنّ اللّه تعالى يبغض صدور المحرّمات، و ترك الواجبات من العاقلين البالغين، فيحرم التسبيب في حقّهم.
أمّا الأطفال و المجانين، فلا علم، و لا ظنّ لنا بمبغوضيّة المحرّمات، و ترك الواجبات منهم، بل العلم حاصل بخلافه؛ للعلم برفع القلم عنهم، سواء أكان المراد من القلم قلم التكليف، أو قلم المؤاخذة، كما تعرّضنا له في صراط الحقّ. نعم، ربّما يفهم من مذاق الشارع حرمة التسبيب مطلقا في بعض الموارد، كما في مثل اللواط، و الزنا، و القتل و نحوها. فلا يجوز التسبيب مطلقا.
و أمّا الناسي و الساهي: فمقتضى العمومات و الإطلاقات كونهما كالذاكرين و الملتفتين في ثبوت التكليف، و ليس لدينا ما يوجب اشتراط التكليف مطلقا بالقدرة بحيث إنّ من لا قدرة له على الامتثال كالناسي و الساهي، لا مقتضى لتكليفه[١]، بل القدر المتيقّن بدلالة العقل أنّ العجز مانع عن فعليّة التكليف في حقّهم و إلّا فالعاجز كالقادر في أصل اقتضاء التكليف، كما يفهم من الإطلاقات. و عليه، فلا يبعد القول بحرمة التسبيب فيهم أيضا؛ فإنّ العمل الصادر منهم مبغوض و إن لم يمكن تحريمه عليهم، فافهم.
و أمّا الكفّار، فيحرم التسبيب إلى صدور المعصية منهم ببناء العقلاء، و حكم العقل إلّا إذا ثبت الرخصة من الشارع، كما في بعض المقامات. هذا بناء على ما هو الأصحّ عندنا من كونهم مكلّفين بالفروع كتكليفهم بالأصول[٢].
و أمّا إذا نفينا عنهم التكليف إمّا مطلقا أو في غير ما اتّفق عليه شريعته و شريعتنا،
[١] . يأتي إثبات ما هو الحقّ في أوائل الجزء الثالث، و لكنّ ما ذكرنا هنا مبنيّ على قول السيّد الأستاذ الخوئي. فإن صحّ ما قلنا هناك من أنّ التكاليف مشروطة بالقدرة لم يحرم التسبيب في حقّ غير القادرين إلّا أن يقال: إنّه مفهوم من مذاق الشرع، و اللّه العالم.
[٢] . لاحظ الجزء الثاني من صراط الحقّ.