سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٩٥
ونظرت إلى أهل الشام فإذا هم بقية الأحزاب ، فراش نار ، وذباب طمع ، تجمَّع من كل أوب ، ممن ينبغي أن يؤدب ويحمل على السنة ، ليسوا مهاجرين ولا أنصار ، ولا تابعين بإحسان ، فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة ، فأبوا إلا فراقي وشقاقي ، ثم نهضوا في وجه المسلمين ينضحونهم بالنبل ويشجرونهم بالرماح ! فعند ذلك نهضت إليهم ، فلما عضتهم السلاح ووجدوا ألم الجراح ، رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها ، فأنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن ، وإنما رفعوها مكيدة وخديعة فامضوا لقتالهم ، فقلتم إقبل منهم واكفف عنهم فإنهم إن أجابوا إلى ما في القرآن ، جامعونا على ما نحن عليه من الحق ، فقبلت منهم وكففت عنهم ، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين ليحييا ما أحياه القرآن ، ويميتا ما أماته القرآن ، فاختلف رأيهما واختلف حكمهما ، فنبذا ما في الكتاب ، وخالفا ما في القرآن وكانا أهله .
ثم إن طائفة اعتزلت فتركناهم ما تركونا ، حتى إذا عاثوا في الأرض يفسدون ويقتلون ، وكان فيمن قتلوه أهل ميرة من بني أسد ، وخباباً وابنه وأم ولده ، والحارث بن مرة العبدي ، فبعثت إليهم داعياً فقلت ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ، فقالوا : كلنا قتلتهم ، ثم شدت خيلهم ورجالهم ، فصرعهم الله مصارع الظالمين .
فلما كان ذلك من شأنهم ، أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم فقلتم : كلَّت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصيداً ! فأذن لنا فلنرجع ولنستعد بأحسن عدتنا ، وإذا نحن رجعنا زدنا في مقاتلتنا عدة من قتل منا ، حتى إذا أظللتم على النخيلة أمرتكم أن تلزموا معسكركم ، وأن تضموا إليه نواصيكم ، وأن توطنوا على الجهاد نفوسكم ، ولا تكثروا زيارة أبناءكم ونساءكم ، فإن أصحاب الحرب مصابروها ، وأهل التشمير فيها الذين لا يتوجدون من سهر ليلهم ولا ظمأ نهارهم ، ولا فقدان أولادهم ولا نساءهم ! فأقامت طائفة منكم معدة ، وطائفة دخلت المصرعاصية ، فلا من دخل المصر عاد إليَّ ، ولا من أقام منكم ثبت معي ولا صبر ، فلقد رأيتني وما في عسكري منكم خمسون رجلاً ،