سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٧٣
سَعَةِ الأَخْلَاقِ كُنُوزُ الأَرْزَاقِ . كَمْ مِنْ عَاكِفٍ عَلَى ذَنْبِه فِي آخِرِ أَيَّامِ عُمُرِه ، ومَنْ كَسَاه الْحَيَاءُ ثَوْبَه خَفِيَ عَلَى النَّاسِ عَيْبُه . وانْحُ الْقَصْدَ مِنَ الْقَوْلِ ، فَإِنَّ مَنْ تَحَرَّى الْقَصْدَ خَفَّتْ عَلَيْه الْمُؤَنُ ، وفِي خِلَافِ النَّفْسِ رُشْدُكَ . مَنْ عَرَفَ الأَيَّامَ لَمْ يَغْفُلْ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ . أَلَا وإِنَّ مَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقاً ، وإِنَّ فِي كُلِّ أُكْلَةٍ غَصَصاً ، لَا تُنَالُ نِعْمَةٌ إِلَّا بِزَوَالِ أُخْرَى . ولِكُلِّ ذِي رَمَقٍ قُوتٌ ، ولِكُلِّ حَبَّةٍ آكِلٌ ، وأَنْتَ قُوتُ الْمَوْتِ .
إعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ : أَنَّه مَنْ مَشَى عَلَى وَجْه الأَرْضِ فَإِنَّه يَصِيرُ إِلَى بَطْنِهَا ، واللَّيْلُ والنَّهَارُ يَتَسَارَعَانِ فِي هَدْمِ الأَعْمَارِ .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ : كُفْرُ النِّعْمَةِ لُؤْمٌ ، وصُحْبَةُ الْجَاهِلِ شُؤْمٌ ، إِنَّ مِنَ الْكَرَمِ لِينَ الْكَلَامِ ، ومِنَ الْعِبَادَةِ إِظْهَارَ اللِّسَانِ ، وإِفْشَاءَ السَّلَامِ . إِيَّاكَ والْخَدِيعَةَ فَإِنَّهَا مِنْ خُلُقِ اللَّئِيمِ . لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ ، ولَا كُلُّ غَائِبٍ يَؤُوبُ . لَا تَرْغَبْ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ . رُبَّ بَعِيدٍ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ . سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ ، وعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ . أَلَا ومَنْ أَسْرَعَ فِي الْمَسِيرِ أَدْرَكَه الْمَقِيلُ . أسْتُرْ عَوْرَةَ أَخِيكَ كَمَا تَعْلَمُهَا فِيكَ . اغْتَفِرْ زَلَّةَ صَدِيقِكَ لِيَوْمِ يَرْكَبُكَ عَدُوُّكَ . مَنْ غَضِبَ عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ضَرِّه طَالَ حُزْنُه وعَذَّبَ نَفْسَه . مَنْ خَافَ رَبَّه كَفَّ ظُلْمَه . ومَنْ لَمْ يَزِغْ فِي كَلَامِه أَظْهَرَ فَخْرَه ، ومَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهِيمَةِ . إِنَّ مِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةَ الزَّادِ . مَا أَصْغَرَ الْمُصِيبَةَ مَعَ عِظَمِ الْفَاقَةِ غَداً ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ . ومَا تَنَاكَرْتُمْ إِلَّا لِمَا فِيكُمْ مِنَ الْمَعَاصِي والذُّنُوبِ ، فَمَا أَقْرَبَ الرَّاحَةَ مِنَ التَّعَبِ ، والْبُؤْسَ مِنَ النَّعِيمِ . ومَا شَرٌّ بِشَرٍّ بَعْدَه الْجَنَّةُ ، ومَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَه النَّارُ ، وكُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ مَحْقُورٌ ، وكُلُّ بَلَاءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ . وعِنْدَ تَصْحِيحِ الضَّمَائِرِ تُبْدُو الْكَبَائِرُ . تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ ، وتَخْلِيصُ النِّيَّةِ مِنَ الْفَسَادِ أَشَدُّ عَلَى الْعَامِلِينَ مِنْ طُولِ الْجِهَادِ . هَيْهَاتَ لَوْ لَا التُّقَى لَكُنْتُ أَدْهَى الْعَرَبِ .
أَيُّهَا النَّاسُ : إِنَّ الله تَعَالَى وَعَدَ نَبِيَّه مُحَمَّداً ( ( ٦ ) ) الْوَسِيلَةَ ، ووَعْدُه الْحَقُّ ، ولَنْ يُخْلِفَ الله وَعْدَه ، أَلَا وإِنَّ الْوَسِيلَةَ أَعْلَى دَرَجِ الْجَنَّةِ ، وذِرْوَةُ ذَوَائِبِ الزُّلْفَةِ ، ونِهَايَةُ غَايَةِ الأُمْنِيَّةِ ، لَهَا أَلْفُ مِرْقَاةٍ ، مَا بَيْنَ الْمِرْقَاةِ إِلَى الْمِرْقَاةِ حُضْرُ الْفَرَسِ الْجَوَادِ مِائَةَ