سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١١٢
ونتيجة هذا التحريف تصبح طاعة الرسول ( ( ٦ ) ) غير واجبة ، لأن إرادة شخصية بهواه ، ومعصيته مقدسة ، لأنها إرادة الله ! ويصبح معنى قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، أن معصيته هي إرادة الله لأن الله سمح بها تكويناً فهي جائزة شرعاً ! وهكذا قلَب عمر الأمور وجعل معنى الإرادة التكويني إرادة شرعية !
قال العلامة ( قدس سره ) في كشف اليقين / ٤٧٠ : « وروى أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد بسنده عن ابن عباس ، قال : دخلت على عمر في أول خلافته وقد ألقي له صاع من تمر على خصفة ، فدعاني للأكل فأكلت تمرة واحدة ، وأقبل يأكل حتى أتى عليه ، ثم شرب من جرٍّ كان عنده ، واستلقى على مرفقة له ، ثم قال : من أين جئت يا عبد الله ؟ قلت : من المسجد . قال : كيف خلفت ابن عمك ؟ فظننته يعني عبد الله بن جعفر فقلت : خلفته يلعب مع أترابه . قال : لم أعن ذلك ، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت . قلت : خلفته يمتح بالغرب ( يسقي بالدلو ) على نخلات له وهو يقرأ القرآن ، فقال : يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتنيها ، أبقيَ في نفسه شئ من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم . قال : أيزعم أن رسول الله جعلها له ؟ قلت : نعم وأزيدك : سألت أبي عما يدعيه فقال : صدق . فقال عمر : لقد كان من رسول الله في أمره ذَرْوٌ [ غُلُو ] من قول لا يُثبت حجة ولا يقطع عذراً ، وقد كان يربع في أمره وقتاً ما . ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام ، لاورب هذه البينة لا تجتمع عليه قريش أبداً ! ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها ! فعلم رسول الله أني علمت ما في نفسه فأمسك ، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم ) !
أشار بذلك إلى قول رسول الله ( ( ٦ ) ) : إئتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده ، فقال عمر : إن الرجل ليهجر !
وانتقضت عليه العرب : أي : نقضناها نحن عليه !
أبو بكر وعمر أسسا فصل الدين عن الدولة
وهذا طبيعي لأن مخالفتهما للنص الرسولي والترتيب الرباني للحكم بعد الرسول ( ( ٦ ) ) ، وتغليبهما منطق قريش القبلي ، تعني حتماً أنهما أسسا دولة علمانية