سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٤
فأخبرنا يا أمير المؤمنين ما امتحنك الله عز وجل به بعد نبينا ( ( ٦ ) ) فاحتملته وصبرت ، فلو شئنا أن نصف ذلك لوصفناه علماً منا به وظهوراً منا عليه ، إلا أنا نحب أن نسمع منك ذلك كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته ، فأطعته فيه .
فقال ( ٧ ) : يا أخا اليهود إن الله عز وجل امتحنني بعد وفاة نبيه ( ( ٦ ) ) في سبعة مواطن فوجدني فيهن من غير تزكية لنفسي منه ونعمته صبوراً .
وأما أولهن يا أخا اليهود ، فإنه لم يكن لي خاصة دون المسلمين عامة أحد آنس به أو أعتمد عليه أو أستنيم إليه ، أو أتقرب به غير رسول الله ( ( ٦ ) ) ، هو رباني صغيراً ، وبوأني كبيراً ، وكفاني العيلة ، وجبرني من اليتم ، وأغناني عن الطلب ، ووقاني المكسب ، وعال لي النفس والولد والأهل ، هذا في تصاريف أمر الدنيا ، مع ما خصني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحق ، عند الله عز وجل ، فنزل بي من وفاة رسول الله ( ( ٦ ) ) ما لم أكن أظن الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به ، فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه ، ولا يضبط نفسه ، ولا يقوي على حمل فادح ما نزل به ، قد أذهب الجزع صبره ، وأذهل عقله ، وحال بينه وبين الفهم والإفهام والقول والإسماع ، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معز يأمر بالصبر ، وبين مساعد باك لبكائهم ، جازع لجزعهم ، وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه ، وتغسيله وتحنيطه وتكفينه ، والصلاة عليه ، ووضعه في حفرته ، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه ، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ، ولا هائج زفرة ، ولا لاذع حرقة ، ولا جزيل مصيبة حتى أديت في ذلك الحق الواجب لله عز وجل ولرسوله ( ( ٦ ) ) علي ، وبلغت منه الذي أمرني به ، واحتملته صابراً محتسباً .
ثم التفت ( ٧ ) إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .
فقال ( ٧ ) : وأما الثانية يا أخا اليهود ، فإن رسول الله ( ( ٦ ) ) أمَّرني في حياته على جميع أمته ، وأخذ على جميع من حضره منهم البيعة والسمع والطاعة لأمري ، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب ذلك ، فكنت المؤدى إليهم عن رسول الله ( ( ٦ ) ) أمره إذا حضرته والأمير على من حضرني منهم إذا فارقته ، لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي