سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٧٥
كَانَتْ عَلَى سَعَةٍ مِنَ الأَمَلِ ، ولَا مُصِيبَةٌ عَظُمَتْ ولَا رَزِيَّةٌ جَلَّتْ كَالْمُصِيبَةِ بِرسول الله ( ( ٦ ) ) ، لأَنَّ الله خَتَمَ بِه الإِنْذَارَ والإِعْذَارَ ، وقَطَعَ بِه الِاحْتِجَاجَ والْعُذْرَ بَيْنَه وبَيْنَ خَلْقِه ، وجَعَلَه بَابَه الَّذِي بَيْنَه وبَيْنَ عِبَادِه ، ومُهَيْمِنَه الَّذِي لَا يَقْبَلُ إِلَّا بِه ، ولَا قُرْبَةَ إِلَيْه إِلَّا بِطَاعَتِه ، وقَالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِه : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله ، ومَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً . فَقَرَنَ طَاعَتَه بِطَاعَتِه ومَعْصِيَتَه بِمَعْصِيَتِه ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلاً عَلَى مَا فَوَّضَ إِلَيْه ، وشَاهِداً لَه عَلَى مَنِ اتَّبَعَه وعَصَاه ، وبَيَّنَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ ، فَقَالَ تَبَارَكَ وتَعَالَى فِي التَّحْرِيضِ عَلَى اتَّبَاعِه والتَّرْغِيبِ فِي تَصْدِيقِه والْقَبُولِ بِدَعْوَتِه : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ .
فَاتِّبَاعُه ( ( ٦ ) ) مَحَبَّةُ الله ، ورِضَاه غُفْرَانُ الذُّنُوبِ ، وكَمَالُ الْفَوْزِ ، ووُجُوبُ الْجَنَّةِ . وفِي التَّوَلِّي عَنْه والإِعْرَاضِ مُحَادَّةُ الله وغَضَبُه وسَخَطُه ، والْبُعْدُ مِنْه مُسْكِنُ النَّارِ ، وذَلِكَ قَوْلُه : ومَنْ يَكْفُرْ بِه مِنَ الأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُه ، يَعْنِي الْجُحُودَ بِه والْعِصْيَانَ لَه ، فَإِنَّ الله تَبَارَكَ اسْمُه امْتَحَنَ بِي عِبَادَه ، وقَتَلَ بِيَدِي أَضْدَادَه ، وأَفْنَى بِسَيْفِي جُحَّادَه ، وجَعَلَنِي زُلْفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ، وحِيَاضَ مَوْتٍ عَلَى الْجَبَّارِينَ ، وسَيْفَه عَلَى الْمُجْرِمِينَ ، وشَدَّ بِي أَزْرَ رَسُولِه ( ( ٦ ) ) ، وأَكْرَمَنِي بِنَصْرِه ، وشَرَّفَنِي بِعِلْمِه ، وحَبَانِي بِأَحْكَامِه ، واخْتَصَّنِي بِوَصِيَّتِه ، واصْطَفَانِي بِخِلَافَتِه فِي أُمَّتِه ، فَقَالَ ( ( ٦ ) ) وقَدْ حَشَدَه الْمُهَاجِرُونَ والأَنْصَارُ ، وانْغَصَّتْ بِهِمُ الْمَحَافِلُ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ عَلِيّاً مِنِّي كَهَارُونَ مِنْ مُوسَى ، إِلَّا أَنَّه لَا نَبِيَّ بَعْدِي ، فَعَقَلَ الْمُؤْمِنُونَ عَنِ الله نُطْقَ الرَّسُولُ ، إِذْ عَرَفُونِي أَنِّي لَسْتُ بِأَخِيه لأَبِيه وأُمِّه ، كَمَا كَانَ هَارُونُ أَخَا مُوسَى لأَبِيه وأُمِّه ، ولَا كُنْتُ نَبِيّاً فَاقْتَضَى نُبُوَّةً ، ولَكِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْه اسْتِخْلَافاً لِي ، كَمَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ ( ( ٦ ) ) حَيْثُ يَقُولُ : أخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ .
وقَوْلُه ( ( ٦ ) ) حِينَ تَكَلَّمَتْ طَائِفَةٌ فَقَالَتْ نَحْنُ مَوَالِي رسول الله ( ( ٦ ) ) ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله إِلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، ثُمَّ صَارَ إِلَى غَدِيرِخُمٍّ ، فَأَمَرَ فَأُصْلِحَ لَه شِبْه الْمِنْبَرِ ، ثُمَّ عَلَاه وأَخَذَ بِعَضُدِي حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْه رَافِعاً صَوْتَه قَائِلاً فِي