سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢١
ينحى بعضهم بعضاً عن سننهم ، وحمل النعمان وحمل الناس ، وراية النعمان تنقضُّ نحوهم انقضاض العقاب ، والنعمان مُعَلَّمٌ ببياض القباء والقلنسوة ، فاقتتلوا بالسيوف قتالاً شديداً ، لم يسمع السامعون بوقعةِ يومٍ قط كانت أشد منها ، فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والإعتام ، ما طبق أرض المعركة دماً يزلق الناس والدواب فيه ، وأصيب فرسان من فرسان المسلمين في الزلق في الدماء ، فزلق فرس النعمان في الدماء فصرعه ، وأصيب النعمان حين زلق به فرسه وصرع ، وتناول الراية نعيم بن مقرن قبل أن تقع ، وسجى النعمان بثوب وأتى حذيفة بالراية فدفعها إليه .
وكان اللواء مع حذيفة فجعل حذيفة نعيم بن مقرن مكانه ، وأتى المكان الذي كان فيه النعمان ، فأقام اللواء وقال له المغيرة : أكتموا مصاب أميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا وفيهم لكيلا يهن الناس ، واقتتلوا حتى إذا أظلهم الليل فانكشف المشركون وذهبوا ، والمسلمون ملظون ( متابعون لهم ) بهم ملتبسون ، فعمي عليهم قصدهم فتركوه ، وأخذوا نحو اللهب ( الوادي ) الذي كانوا نزلوا دونه بإسبيذهان فوقعوا فيه ، وجعلوا لا يهوي منهم أحد إلا قال : وايه خرد ، فسمى بذلك وايه خرد إلى اليوم . فمات فيه منهم مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة من أعدادهم ، ولم يفلت إلا الشريد !
ونجا الفيرزان بين الصرعى في المعركة ، فهرب نحو همذان في ذلك الشريد فاتبعه نعيم بن مقرن وقَدَّمَ القعقاع قدامه ، فأدركه حين انتهى إلى ثنية همذان ، والثنية مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلاً ، فحبسه الدواب على أجله فقتله على الثنية بعدما امتنع ، وقال المسلمون : إن لله جنوداً من عسل ، واستاقوا العسل وما خالطه من سائر الأحمال ، فأقبل بها وسميت الثنية بذلك ثنية العسل . وإن الفيرزان لما غشيه القعقاع نزل فتوقل في الجبل ، إذ لم يجد مساغاً ، وتوقل القعقاع في أثره حتى أخذه . ومضى الفُلال حتى انتهوا إلى مدينة همذان والخيل في آثارهم ، فدخلوها فنزل المسلمون عليهم وحووا ما حولها ، فلما رأى ذلك