سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٧٢
وإِنْ عَضَّتْه فَاقَةٌ شَغَلَه الْبَلَاءُ ، وإِنْ أَصَابَتْه مُصِيبَةٌ فَضَحَه الْجَزَعُ ، وإِنْ أَجْهَدَه الْجُوعُ قَعَدَ بِه الضَّعْفُ ، وإِنْ أَفْرَطَ فِي الشِّبَعِ كَظَّتْه الْبِطْنَةُ . فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِه مُضِرٌّ ، وكُلُّ إِفْرَاطٍ لَه مُفْسِدٌ .
أَيُّهَا النَّاسُ : إِنَّه مَنْ قَلَّ ذَلَّ ، ومَنْ جَادَ سَادَ ، ومَنْ كَثُرَ مَالُه رَؤُسَ ، ومَنْ كَثُرَ حِلْمُه نَبُلَ ، ومَنْ أَفْكَرَ فِي ذَاتِ الله تَزَنْدَقَ ، ومَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيئٍ عُرِفَ بِه ، ومَنْ كَثُرَ مِزَاحُه اسْتُخِفَّ بِه ، ومَنْ كَثُرَ ضِحْكُه ذَهَبَتْ هَيْبَتُه . فَسَدَ حَسَبُ مَنْ لَيْسَ لَه أَدَبٌ . إِنَّ أَفْضَلَ الْفِعَالِ صِيَانَةُ الْعِرْضِ بِالْمَالِ . لَيْسَ مَنْ جَالَسَ الْجَاهِلَ بِذِي مَعْقُولٍ ، مَنْ جَالَسَ الْجَاهِلَ فَلْيَسْتَعِدَّ لِقِيلٍ وقَالٍ . لَنْ يَنْجُوَ مِنَ الْمَوْتِ غَنِيٌّ بِمَالِه ، ولَا فَقِيرٌ لإِقْلَالِه .
أَيُّهَا النَّاسُ : لَوْ أَنَّ الْمَوْتَ يُشْتَرَى ، لَاشْتَرَاه مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا الْكَرِيمُ الأَبْلَجُ ، واللَّئِيمُ الْمَلَهْوَجُ
[ غير الناضج ] .
أَيُّهَا النَّاسُ : إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَوَاهِدَ : تُجْرِي الأَنْفُسَ عَنْ مَدْرَجَةِ أَهْلِ التَّفْرِيطِ ، وفِطْنَةُ الْفَهْمِ لِلْمَوَاعِظِ مَا يَدْعُو النَّفْسَ إِلَى الْحَذَرِ مِنَ الْخَطَرِ ، ولِلْقُلُوبِ خَوَاطِرَ لِلْهَوَى . والْعُقُولُ تَزْجُرُ وتَنْهَى ، وفِي التَّجَارِبِ عِلْمٌ مُسْتَأْنَفٌ ، والِاعْتِبَارُ يَقُودُ إِلَى الرَّشَادِ ، وكَفَاكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ مَا تَكْرَهُه لِغَيْرِكَ ، وعَلَيْكَ لأَخِيكَ الْمُؤْمِنِ مِثْلُ الَّذِي لَكَ عَلَيْه . لَقَدْ خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِه ، والتَّدَبُّرُ قَبْلَ الْعَمَلِ ، فَإِنَّه يُؤْمِنُكَ مِنَ النَّدَمِ ، ومَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوه الآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَأِ ، ومَنْ أَمْسَكَ عَنِ الْفُضُولِ عَدَلَتْ رَأْيَه الْعُقُولُ ، ومَنْ حَصَّنَ شَهْوَتَه فَقَدْ صَانَ قَدْرَه ، ومَنْ أَمْسَكَ لِسَانَه أَمِنَه قَوْمُه ونَالَ حَاجَتَه ، وفِي تَقَلُّبِ الأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ ، والأَيَّامُ تُوضِحُ لَكَ السَّرَائِرَ الْكَامِنَةَ ، ولَيْسَ فِي الْبَرْقِ الْخَاطِفِ مُسْتَمْتَعٌ لِمَنْ يَخُوضُ فِي الظُّلْمَةِ ، ومَنْ عُرِفَ بِالْحِكْمَةِ لَحَظَتْه الْعُيُونُ بِالْوَقَارِ والْهَيْبَةِ ، وأَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى ، والصَّبْرُ جُنَّةٌ مِنَ الْفَاقَةِ ، والْحِرْصُ عَلَامَةُ الْفَقْرِ ، والْبُخْلُ جِلْبَابُ الْمَسْكَنَةِ ، والْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ ، ووَصُولٌ مُعْدِمٌ خَيْرٌ مِنْ جَافٍ مُكْثِرٍ ، والْمَوْعِظَةُ كَهْفٌ لِمَنْ وَعَاهَا ، ومَنْ أَطْلَقَ طَرْفَه كَثُرَ أَسَفُه ، وقَدْ أَوْجَبَ الدَّهْرُ شُكْرَه عَلَى مَنْ نَالَ سُؤْلَه ، وقَلَّ مَا يُنْصِفُكَ اللِّسَانُ فِي نَشْرِ قَبِيحٍ أَوْ إِحْسَانٍ ، ومَنْ ضَاقَ خُلُقُه مَلَّه أَهْلُه ، ومَنْ نَالَ اسْتَطَالَ ، وقَلَّ مَا تَصْدُقُكَ الأُمْنِيَّةُ ، والتَّوَاضُعُ يَكْسُوكَ الْمَهَابَةَ ، وفِي