سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٣٦
أمرٌ من الله ورسوله ؟ فقال : وهل يكون مثل هذا من غير أمر الله ومن رسوله ؟
نعم أمرٌ من الله ومن رسوله ، فبايعا ، ثم انصرفا . وسارَ رسول الله ( ( ٦ ) ) باقي يومه وليلته حتى إذا دنوا من العقبة ، تقدمه القوم فتواروا في ثنية العقبة ، وقد حملوا معهم دباباً وطرحوا فيها الحصى ! قال حذيفة : ودعاني رسول الله ودعا عمار بن ياسر ، وأمره أن يسوقها وأنا أقودها ، حتى إذا صرنا في رأس العقبة ثار القوم من ورائنا ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة فذعرت ، وكادت أن تنفر برسول الله ( ( ٦ ) ) فصاح بها النبي أن اسكني وليس عليك بأس ، فأنطقها الله تعالى بقول عربي فصيح فقالت : والله يا رسول الله ما أزلت يداً عن مستقر يد ولا رجل عن موضع رجل ، وأنتَ على ظهري ، فتقدم القوم إلى الناقة ليدفعوها ، فأقبلتُ أنا وعمار نضرب وجوههم بأسيافنا ، وكانت ليلة مظلمة ، فزالوا عنا وأيسوا مما ظنوا ودبروا !
فقلت : يا رسول الله ، من هؤلاء القوم وما يريدون ؟ فقال : يا حذيفة هؤلاء المنافقون في الدنيا والآخرة . فقلت : ألا تبعث إليهم يا رسول الله رهطاً فيأتوا برؤوسهم ؟ فقال : إن الله أمرني أن أعرض عنهم ، وأكره أن يقول الناس إنه دعا أناساً من قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا له ، فقاتل بهم ، حتى ظهر على عدوه أقبل عليهم فقتلهم ! ولكن دعهم يا حذيفة ، فإن الله لهم بالمرصاد ، وسيمهلهم قليلاً ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ ! فقلت : ومن هؤلاء المنافقون يا رسول الله ، أمن المهاجرين أم من الأنصار ؟ فسماهم لي رجلاً رجلاً حتى فرغ منهم ، وقد كان فيهم أناس أكره أن يكونوا منهم فأمسكت عن ذلك ، فقال رسول الله ( ( ٦ ) ) : يا حذيفة كأنك شاك في بعض من سميت لك ، إرفع رأسك إليهم ، فرفعت طرفي إلى القوم وهم وقوف على الثنية ، فبرقت برقة فأضاءت جميع ما حولنا ، وثبتت البرقة حتى خلتها شمساً طالعة ، فنظرتُ والله إلى القوم فعرفتهم رجلاً رجلاً ، وإذا هم كما قال رسول الله ( ( ٦ ) ) ، وعدد القوم أربعة عشر رجلاً ، تسعة من قريش ، وخمسة من سائر الناس . فقال له : سمهم لنا يرحمك الله ، فقال حذيفة هم والله : أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ، هؤلاء من