سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٥٩
٨ . كان باستطاعته ( ٧ ) أن يستعمل أسلوب الشيخين فيجبرالناس ويخوفهم ، ويميز بينهم في العطاء ، ويستميل رؤساء القبائل بالمال ، ويعطي حكم الشام لمعاوية ، ثم يدبر قتله بعد شهور ! فيُحكم قبضته على بلاد الدولة الإسلامية ، وقد كانت بيده ما عدا الشام ، ولو فعل ذلك لخضع له العرب والعجم ، وكان أمبراطوراً له أبَّهة كسرى وقيصر ! ولرأيت المنافقين المعترضين عليه والطامعين في الحكم ، إمَّعاتٍ متزلفين اليه ، أو مقتولين تحت التراب !
فما أسهل لعلي ( ٧ ) أن ( يُصلح ) شعبه بالاضطهاد كما فعل غيره ، لكنه لا يستحل ذلك ولا هو قضيته ولا هدفه ! فليس هدفه الطاعة بل القناعة ! وطاعة الخوف طاعة أبدان وأبشار ، وغرض علي ( ٧ ) إقناع العقول والأفكار !
نعم ، كان باستطاعته أن يؤسس ملكاً عريضاً لبني هاشم ، ويورَّث الحسن والحسين ( ( ٦ ) ) أمبراطورية أعظم مما ورثته الأكاسرة والقياصرة لأبنائهم !
لكن ذلك برأيه مُلْكٌ مذمومٌ ملعون ، لأنه يقوم على الدماء والأشلاء ، وظلم العباد والبلاد ، والغارة على أموال الفقراء ، كغارة الذئب على المعزى الكسيرة !
وليس هذا هدفه ( ٧ ) وحاشاه ، وهو الذهب الصافي من سلالة إبراهيم ( ٧ ) ، ووصيِّ خير الخلق وسيد المرسلين ( ( ٦ ) ) !
قال ( ٧ ) : ( والله قد دعوتكم عوداً وبدءً ، وسراً وجهاراً ، في الليل والنهار والغدو والآصال ، فما يزيدكم دعائي إلا فراراً وإدباراً ، أما تنفعكم العظة والدعاء إلى الهدى والحكمة ! وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ، ولكني والله لا أصلحكم بإفساد نفسي ! ولكن أمهلوني قليلاً ، فكأنكم والله قد جاءكم من يحزنكم ويعذبكم فيعذبه الله كما يعذبكم ! إن من ذُلِّ المسلمين وهلاك الدين أن ابن أبي سفيان يدعو الأراذل والأشرار فيجاب ، وأدعوكم وأنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون وتدافعون ، ما هذا بفعل المتقين ) . ( الغارات للثقفي : ٢ / ٦٢٤ ) .
٩ . لقد حقق الإمام ( ٧ ) في مدة حكمه القصيرة إنجازاً غير عادي ، فقدم للأمة
النموذج الذي أراده منه النبي ( ( ٦ ) ) في تصحيح الانحراف وقتال الناكثين