سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٦٣٩
وأوسعت يدا حافرها لاضغطها الحجر والمدر ، وسد فرجها التراب المتراكم . وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق .
ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيرالأطعمة . ولعل بالحجاز أو اليمامة من لاطمع له في القرص ولاعهد له بالشبع ، أوَأبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرى ! أو أكون كما قال القائل :
وحسبك داء أن تبيتَ ببطنةٍ * وحولَك أكبادٌ تَحِنُّ إلى القِدِّ
أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش . فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها ، أو المرسلة شغلها تقممها ، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها . أو أترك سدى أو أهمل عابثاً ، أو أجر حبل الضلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة . وكأني بقائلكم يقول إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان ، ألا وإن الشجرة البرية أصلب عوداً ، والروائع الخضرة أرق جلوداً ، والنباتات البدوية أقوى وقوداً وأبطأ خموداً ، وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو والذراع من العضد . والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها ، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها ، وسأجهد في أن أطهرالأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد . إليك عني يا دنيا ، فحبلك على غاربك ، قد انسللت من مخالبك ، وأفلتُّ من حبائلك ، واجتنبت الذهاب في مداحضك .
أين القرون الذين غررتِهم بمداعبك ، أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك . هاهم رهائن القبور ، ومضامين اللحود . والله لو كنت شخصاً مرئياً ، وقالباً حسياً لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني ، وأمم ألقيتهم في المهاوي ، وملوك أسلمتهم إلى التلف ، وأوردتهم موارد البلاء ، إذ لا ورد ولا صدر ! هيهات