سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٨١
غفر الله لي ولكم أستودعكم الله ، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله .
فناداه الناس أن سلام الله عليك ورحمك يا أبا ذر ، يا صاحب رسول الله ، ألا نردك إن كان هؤلاء القوم أخرجوك ، ألا نمنعك ؟ فقال لهم : إرجعوا رحمكم الله فإني أصبر منكم على البلوى ، وإياكم والفرقة والاختلاف .
فمضى حتى قدم على عثمان فلما دخل عليه قال له : لاقرَّب الله بعمرو عيناً ، فقال أبو ذر : والله ما سماني أبواي عمرواً ، ولكن لا قرَّب الله من عصاه ، وخالف أمره وارتكب هواه . فقام إليه كعب الأحبار فقال له : ألا تتقي الله يا شيخ تُجيب أمير المؤمنين بهذا الكلام ! فرفع أبو ذر عصاً كانت في يده فضرب بها رأس كعب ثم قال له : يا ابن اليهوديين ما كلامك مع المسلمين ! فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك بعد ! فقال عثمان : والله لاجمعتني وإياك دار ! قد خرفت وذهب عقلك ! أخرجوه من بين يدي حتى تركبوه قتب ناقته بغير وطاء ، ثم أنخسوا به الناقة وتعتعوه حتى توصلوه الربذة ، فنزِّلوه بها من غير أنيس ، حتى يقضي الله فيه ما هو قاض . فأخرجوه متعتعاً ملهوزاً بالعصا ، وتقدم أن لايشيعه أحد من الناس ! فبلغ ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ٧ ) فبكى حتى بل لحيته بدموعه ، ثم قال : أهكذا يصنع بصاحب رسول الله ( ( ٦ ) ) ، إنا لله وإنا إليه راجعون !
ثم نهض ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن العباس والفضل وقثم وعبيد الله ، حتى لحقوا أبا ذر فشيعوه ، فلما بصر بهم أبو ذر ( رحمه الله ) حنَّ إليهم وبكى عليهم وقال : بأبي وجوه إذا رأيتها ذكرت بها رسول الله ( ( ٦ ) ) ، وشملتني البركة برؤيتها . ثم رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم إني أحبهم ولو قطعت إرباً إرباً في محبتهم ما زلتُ عنها ابتغاء وجهك والدار الآخرة ، فارجعوا رحمكم الله ، والله أسأل أن يخلفني فيكم أحسن الخلافة . فودعه القوم ورجعوا وهم يبكون على فراقه ) .
أقول : كان الذين عرضوا عليه أن يمنعوه في الشام قلة ، وكان مأموراً بعدم الثورة .
٨ . وفي شرح النهج ( ٣ / ٥٧ ) : ( عن صهبان مولى الأسلميين ، قال : رأيت أبا ذر
يوم دخل به على عثمان ، فقال له : أنت الذي فعلت وفعلت ! فقال له أبو ذر :