سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٨٤
والله ليس كما يقول الملحدون ، ولا كما يظن الجاهلون ، ولكن كان ولا مكان بحيث لا تبلغه الأذهان ، وقولي ( كان ) عجز عن كونه ، وهو مما عَلَّمَ من البيان يقول الله عز وجل : خَلَقَ الإنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ، فقولي له ( كان ) مما علمني من البيان لأنطق بحججه وعظمته ، وكان ولم يزل ربنا مقتدراً على ما يشاء محيطاً بكل الأشياء ، ثم كَوَّنَ ما أراد بلا فكرة حادثة له أصاب ، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد ، وإنه عز وجل خلق نوراً ابتدعه من غير شئ ، ثم خلق منه ظلمة ، وكان قديراً أن يخلق الظلمة لامن شئ كما خلق النور من غير شئ ، ثم خلق من الظلمة نوراً وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبعٍ أرضين ، ثم زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماءً مرتعداً ، ولا يزال مرتعداً إلى يوم القيامة ، ثم خلق عرشه من نوره وجعله على الماء ، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف لغة ليس فيها لغة تشبه الأخرى ، وكان العرش على الماء من دونه حجب الضباب وذلك قوله : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ .
يا كعب ويحك ! إن من كانت البحار تفلته على قولك ، كان أعظم من أن تحويه صخرة بيت المقدس ، أو يحويه الهواء الذي أشرت إليه أنه حل فيه !
فضحك عمر بن الخطاب وقال : هذا هوالأمر ، وهكذا يكون العلم ، لا كعلمك يا كعب . لا عشت إلى زمان لا أرى فيه أبا حسن ) .
أقول : مع ذلك بقي عمر متأثراً بتجسيم كعب الأحبار ، وحديث الأطيط مشهور عنه . وكان عمر يتبنى المجسمة !
وقد انتشرت أفكار كعب في المسلمين لأن عمر تبناها ، وكان الأئمة ( : ) يكذبونها ! ففي الكافي ( ٤ / ٢٣٩ ) : ( عن زرارة قال كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفر ( الإمام الباقر ( ٧ ) ) وهومُحْتبٍ مستقبلَ الكعبة ، فقال : أما إن النظر إليها عبادة ، فجاءه رجل من بجيلة يقال له عاصم بن عمر ، فقال لأبي جعفر : إن كعب الأحبار كان يقول : إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة ، فقال أبو جعفر : فما تقول فيما قال كعب ؟ فقال : صدق ، القول ما قال كعب ! فقال أبو جعفر ( ٧ ) : كذبت وكذب كعب الأحبار معك ، وغضب ! قال زرارة : ما رأيته استقبل أحداً بقول كذبت غيره ، ثم قال : ما خلق الله