سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٦
لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يكون في أكفهم ، ويتباعد منهم حتى يكون بمنزلة النجم منهم ، فإن شئت أن تجعلني حكماً فاجعلني ، وإن شئت فاجعلني ثانياً أو ثالثاً ، فإن عمراً لا يعقد عقدة إلا حللتها ، ولا يحل عقدة إلا عقدت لك أشد منها ، فعرض الإمام ذلك على الناس فأبوه ! وقالوا لا يكون إلا أبو موسى » .
( شرح النهج : ٢ / ٢٣٠ ) .
ولما أصر أهل الكوفة على تحكيم أبي موسى ، نصحه الأحنف : « يا أبا موسى اعرف خَطْبَ هذا الأمر ، واعلم إن له ما بعده وإنك إن أضعت العراق فلا عراق ، إتق الله فإنها تجمع لك دنياك وآخرتك ، وإذا لقيت غداً عمراً فلا تبدأه بالسلام ، فإنها وإن كانت سنة إلا أنه ليس بأهلها ، ولاتعطه يدك فإنها أمانة ، وإياك أن يقعدك على صدرالفراش فإنها خدعة ، ولاتلقه إلا وحده ، وأحذر أن يكلمك في بيت فيه مخدع ، تخبأ لك فيه الرجال والشهود » . ( شرح النهج : ٢ / ٢٤٩ ) .
٦ . خطب شاميٌّ في مجلس معاوية : « فكان آخر كلامه أن لعن علياً ( ٧ ) فأطرق الناس ! وتكلم الأحنف فقال لمعاوية : إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم ، فاتق الله ودع عنك علياً ، فقد لقي ربه وأفرد في قبره وخلا بعمله ، وكان والله المبرز بسبقه ، الطاهر خلقه ، الميمون نقيبته ، والعظيم مصيبته . فقال معاوية : يا أحنف لقد أغضيت العين على القذى ، وقلت بغير ما ترى ، وأيم الله لتصعدنَّ المنبر فلتلعنه طوعاً أو كرهاً ! فقال له الأحنف : إن تعفني فهو خير لك ، وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجري به شفتاي أبداً .
قال : فاصعد المنبر ! قال الأحنف : أما والله لأنصفنَّك في القول والفعل . قال : وما أنت قائل يا أحنف ؟ قال : أصعد المنبر فأحمد الله بما هو أهله ، وأصلي على نبيه ( ( ٦ ) ) ثم أقول : أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن علياً ، وإن علياً ومعاوية اختلفا واقتتلا وادَّعى كل واحد منها أنه بغى على فئته ، فإذا دعوت فأمِّنوا رحمكم الله ، ثم أقول : اللهم ألعن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه ، وألعن الفئة الباغية ، اللهم العنهم لعناً كثيراً !