سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٩٢
حتى انقطعت النعل وسقط الرداء ووطئ الضعيف ، وبلغ من سرورالناس ببيعتهم إياي أن حُمل إليها الصغير ، وهدج إليها الكبير ، وتحامل إليها العليل ، وحسرت لها الكعاب . فقالوا : بايعنا على ما بويع عليه أبو بكر وعمر ، فإنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك ، بايعنا لا نفترق ولا نختلف !
فبايعتم على كتاب الله وسنة نبيه ( ( ٦ ) ) دعوت الناس إلى بيعتي فمن بايعني طائعاً قبلت منه ، ومن أبى تركته ، فكان أول من بايعني طلحة والزبيرفقالا : نبايعك على أنا شركاؤك في الأمر ! فقلت : لا ، ولكنكما شركائي في القوة ، وعوناي في العجز ، فبايعاني على هذا الأمر ، ولو أبيا لم أكرههما ، كما لم أكره غيرهما !
وكان طلحة يرجو اليمن ، والزبير يرجو العراق ! فلما علما أني غير موليهما استأذناني للعمرة يريدان الغدرة ، فأتيا عايشة واستخفاها مع شئ في نفسها عليَّ ، وقادهما عبد الله بن عامر إلى البصرة ، وضمن لهما الأموال والرجال ، فبيناهما يقودانها إذ هي تقودهما ، فاتخذاها فئة يقاتلان دونها ! فأيُّ خطيئة أعظم مما أتيا ، أخرجا زوجة رسول الله من بيتها فكشفا عنها حجاباً ستره الله عليها ، وصانا حلائلهما في بيوتهما ، ولا أنصفا الله ولا رسوله ( ( ٦ ) )
من أنفسهما !
فمنيتُ بأطوع الناس في الناس : عايشة بنت أبيبكر ، وبأشجع الناس : الزبير ، وبأخصم الناس : طلحة بن عبيد الله ، وأعانهم عليَّ يعلى بن منية بأصوع الدنانير ! والله لئن استقام أمري لأجعلن ماله فيئاً للمسلمين !
ثم أتوا البصرة وأهلها مجتمعون على بيعتي وطاعتي ، وبها شيعتي خزان بيت مال الله ومال المسلمين ، فدعوا الناس إلى معصيتي وإلى نقض بيعتي وطاعتي ، فمن أطاعهم أكفروه ، ومن عصاهم قتلوه ! فناجزهم حكيم بن جبلة فقتلوه في سبعين رجلاً من عُبَّاد أهل البصرة ومخبتيهم ، يسمَّوْنَ المثفَّنين كأن راح أكفهم ثفنات الإبل ، وأبى أن يبايعهم يزيد بن الحارث اليشكري فقال : إتقيا الله ، إن أولكم قادنا إلى الجنة فلا يقودنا آخركم إلى النار ، فلا تكلفونا أن نصدق المدعي ونقضي على الغائب ، أما يميني فشغلها علي بن أبي طالب ببيعتي إياه ، وهذه شمالي فارغة فخذاها إن شئتما !