سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٧٨
٦ . في الدرجات الرفيعة / ٢٤٣ : ( روى أبو عثمان الجاحظ في كتاب السفيانية عن جلام بن جندب الغفاري قال : كنت عاملاً لمعاوية على قنسرين والعواصم ، في خلافة عثمان ، فجئت يوماً أسأله عن حال عملي ، إذ سمعت صارخاً على باب داره يقول : أتتكم القطار تحمل النار ، اللهم العن الآمرين بالمعروف التاركين له ، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له ! فارتاب معاوية وتغير لونه ، وقال : يا جلام أتعرف الصارخ ؟ فقلت : اللهم لا . قال : من عذيري من جندب بن جنادة يأتينا كل يوم ، فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت ! ثم قال أدخلوه عليَّ فجئ بأبي ذر بين قوم يقودونه حتى وقف بين يديه ، فقال له معاوية : يا عدوَّ الله وعدو رسوله ، تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع ! أما أني لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك ! ولكني أستأذنه فيك !
قال جلام : وكنت أحب أن أرى أبا ذر ، لأنه رجل من قومي ، فالتفت إليه فإذا رجل أسمر ضرب من الرجال خفيف العارضين في ظهره حناء ، فأقبل على معاوية وقال : ما أنا بعدوِّ الله ولا رسوله ( ( ٦ ) ) ، بل أنت وأبوك عدوُّان لله ولرسوله ، أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر ، ولقد لعنك رسول الله ( ( ٦ ) ) ودعا عليك مرات أن لا تشبع ! سمعت رسول الله ( ( ٦ ) ) يقول : إذا ولي الأمة الأعين الواسع البلعوم الذي يأكل ولايشبع ، فلتأخذ الأمة حذرها منه .
فقال معاوية : ما أنا ذلك الرجل ! قال أبو ذر : بل أنت ذلك الرجل ! أخبرني بذلك رسول الله ( ( ٦ ) ) وسمعته يقول وقد مررتَ به : اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب ! وسمعته يقول : إستُ معاوية في النار ! فضحك معاوية وأمر بحبسه ، وكتب إلى عثمان فيه ، فكتب عثمان إلى معاوية أن احمل جندباً إليَّ على أغلظ مركب وأوعره ، فوجه به مع من سار به الليل والنهار ، وحمله على شارف ليس عليها قتب ، حتى قدم به إلى المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد !
فلما قدم بعث إليه عثمان أن الحق بأي أرض شئت ! قال : بمكة . قال : لا . قال : بيت المقدس . قال : لا . قال : بأحد المصرين . قال : لا ، ولكني مسيرك إلى الربذة فسيره إليها