سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٩٧
لرسول الله ( ( ٦ ) ) ، لم ينسه بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه ، وعلم الناسخ من المنسوخ ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ فإن أمر النبي ( ( ٦ ) ) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه ، قد كان يكون من رسول الله ( ( ٦ ) ) الكلام له وجهان : كلام عام وكلام خاص مثل القرآن ، وقال الله عز وجل في كتابه : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا . فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله ( ( ٦ ) ) .
وليس كل أصحاب رسول الله ( ( ٦ ) ) كان يسأله عن الشئ فيفهم ! وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه ، حتى أن كانوا ليحبون أن يجيئ الأعرابي والطارئ فيسأل رسول الله ( ( ٦ ) ) حتى يسمعوا . وقد كنت أدخل على رسول الله ( ( ٦ ) ) كل يوم دخلةً وكل ليلة دخلةً ، فيخليني فيها أدور معه حيث دار ، وقد علم أصحاب رسول الله ( ( ٦ ) ) أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري ، فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله ( ( ٦ ) ) أكثر ذلك في بيتي ، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عني نسائه ، فلا يبقى عنده غيري ، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ، ولا أحد من بنيَّ ، وكنت إذا سألته أجابني ، وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني ، فما نزلت على رسول الله ( ( ٦ ) ) آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها عليَّ ، فكتبتها بخطي ، وعلمني تأويلها وتفسيرها ، وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصها وعامها ، ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها ، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علماً أملاه عليَّ وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا ، وما ترك شيئاً علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته ، فلم أنس حرفاً واحداً ، ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً ، فقلت : يا نبي الله بأبي أنت وأمي منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفتني شئ لم أكتبه ، أفتتخوف عليَّ النسيان فيما بعد ؟ فقال : لا ، لست أتخوف عليك النسيان والجهل . وقد أخبرني ربي أنه قد استجاب لي فيك وفي شركائك الذين يكونون من بعدك .