سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٧٧
بَعْدَ خَوْفٍ ، وجَمْعٍ بَعْدَ كَوْفٍ ، وأَضَاءَتْ بِنَا مَفَاخِرُ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ ، وأَوْلَجْنَاهُمْ بَابَ الْهُدَى ، وأَدْخَلْنَاهُمْ دَارَ السَّلَامِ ، وأَشْمَلْنَاهُمْ ثَوْبَ الإِيمَانِ ، وفَلَجُوا بِنَا فِي الْعَالَمِينَ ، وأَبْدَتْ لَهُمْ أَيَّامُ الرَّسُولِ آثَارَ الصَّالِحِينَ ، مِنْ حَامٍ مُجَاهِدٍ ، ومُصَلٍّ قَانِتٍ ، ومُعْتَكِفٍ زَاهِدٍ ، يُظْهِرُونَ الأَمَانَةَ ، ويَأْتُونَ الْمَثَابَةَ . حَتَّى إِذَا دَعَا الله عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّه ( ( ٦ ) ) ورَفَعَه إِلَيْه ، لَمْ يَكُ ذَلِكَ بَعْدَه إِلَّا كَلَمْحَةٍ مِنْ خَفْقَةٍ ، أَوْ وَمِيضٍ مِنْ بَرْقَةٍ ، إِلَى أَنْ رَجَعُوا عَلَى الأَعْقَابِ ، وانْتَكَصُوا عَلَى الأَدْبَارِ وطَلَبُوا بِالأَوْتَارِ ، وأَظْهَرُوا الْكَتَائِبَ ، ورَدَمُوا الْبَابَ ، وفَلُّوا الدِّيَارَ ، وغَيَّرُوا آثَارَ رسول الله ( ( ٦ ) ) ، ورَغِبُوا عَنْ أَحْكَامِه ، وبَعُدُوا مِنْ أَنْوَارِه ، واسْتَبْدَلُوا بِمُسْتَخْلَفِه بَدِيلاً اتَّخَذُوه ، وكَانُوا ظَالِمِينَ ، وزَعَمُوا أَنَّ مَنِ اخْتَارُوا مِنْ آلِ أَبِي قُحَافَةَ أَوْلَى بِمَقَامِ رسول الله ( ( ٦ ) ) مِمَّنِ اخْتَارَ رسول الله ( ( ٦ ) ) لِمَقَامِه ، وأَنَّ مُهَاجِرَ آلِ أَبِي قُحَافَةَ خَيْرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيِّ الرَّبَّانِيِّ ، نَامُوسِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ .
أَلَا وإِنَّ أَوَّلَ شَهَادَةِ زُورٍ وَقَعَتْ فِي الإسلام شَهَادَتُهُمْ أَنَّ صَاحِبَهُمْ مُسْتَخْلَفُ رسول الله ( ( ٦ ) ) ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مَا كَانَ ، رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وقَالُوا إِنَّ رسول الله ( ( ٦ ) ) مَضَى ولَمْ يَسْتَخْلِفْ ، فَكَانَ رسول الله ( ( ٦ ) ) الطَّيِّبُ الْمُبَارَكُ ، أَوَّلَ مَشْهُودٍ عَلَيْه بِالزُّورِ فِي الإسلام ، وعَنْ قَلِيلٍ يَجِدُونَ غِبَّ مَا يَعْلَمُونَ ، وسَيَجِدُ التَّالُونَ غِبَّ مَا أَسَّسَه الأَوَّلُونَ . ولَئِنْ كَانُوا فِي مَنْدُوحَةٍ مِنَ الْمَهْلِ ، وشِفَاءٍ مِنَ الأَجَلِ ، وسَعَةٍ مِنَ الْمُنْقَلَبِ واسْتِدْرَاجٍ مِنَ الْغُرُورِ ، وسُكُونٍ مِنَ الْحَالِ ، وإِدْرَاكٍ مِنَ الأَمَلِ ، فَقَدْ أَمْهَلَ الله عَزَّ وجَلَّ شَدَّادَ بْنَ عَادٍ ، وثَمُودَ بْنَ عَبُّودٍ ، وبَلْعَمَ بْنَ بَاعُورٍ ، وأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَه ظَاهِرَةً وبَاطِنَةً ، وأَمَدَّهُمْ بِالأَمْوَالِ والأَعْمَارِ ، وأَتَتْهُمُ الأَرْضُ بِبَرَكَاتِهَا ، لِيَذَّكَّرُوا آلَاءَ الله ولِيَعْرِفُوا الإِهَابَةَ لَه ، والإِنَابَةَ إِلَيْه ، ولِيَنْتَهُوا عَنِ الِاسْتِكْبَارِ ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْمُدَّةَ ، واسْتَتَمُّوا الأُكْلَةَ ، أَخَذَهُمُ اللَّه عَزَّ وجَلَّ واصْطَلَمَهُمْ : فَمِنْهُمْ مَنْ حُصِبَ ، ومِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْه الصَّيْحَةُ ، ومِنْهُمْ مَنْ أَحْرَقَتْه الظُّلَّةُ ، ومِنْهُمْ مَنْ أَوْدَتْه الرَّجْفَةُ ، ومِنْهُمْ مَنْ أَرْدَتْه الْخَسْفَةُ : فَما كانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ .