سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٨٧
ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل ، فقال رسول الله ( ( ٦ ) ) : كن أبا ذر ، فقالوا : هو أبو ذر ، فقال رسول الله ( ( ٦ ) ) : أدركوه بالماء فإنه عطشان ، فأدركوه بالماء ، ووافى أبو ذر رسول الله ( ( ٦ ) ) ومعه إداوة فيها ماء ، فقال رسول الله ( ( ٦ ) ) : يا أبا ذر معك ماء وعطشت ؟ فقال نعم يا رسول الله بأبي أنت وأمي ، انتهيت إلى صخرة وعليها ماء السماء فذقته فإذا هو عذب بارد ، فقلت لا أشربه حتى يشربه حبيبي رسول الله ( ( ٦ ) ) ! فقال رسول الله ( ( ٦ ) ) : يا أبا ذر رحمك الله ، تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ، وتدخل الجنة وحدك ، يسعد بك قوم من أهل العراق ، يتولون غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك .
فلما سير به عثمان إلى الربذة فمات بها ابنه ذر ، فوقف على قبره فقال :
رحمك الله يا ذر ، لقد كنت كريم الخلق باراً بالوالدين ، وما عليَّ في موتك من غضاضة ، وما بي إلى غير الله من حاجة ، وقد شغلني الاهتمام لك عن الإغتمام بك ، ولولا هول المطلع لأحببت أن أكون مكانك . فليت شعري ما قالوا لك وما قلت لهم ؟ ثم رفع يده فقال : اللهم إنك فرضت لك عليه حقوقاً ، وفرضت لي عليه حقوقاً ، فإني قد وهبت له ما فرضت لي عليه من حقوقي ، فهب له ما فرضت عليه من حقوقك ، فإنك أولى بالحق وأكرم مني .
وكانت لأبي ذر غنيمات يعيش هو وعياله منها ، فأصابها داء يقال له النقار فماتت كلها ، فأصاب أبا ذر وابنته الجوع فماتت أهله ، فقالت ابنته : أصابنا الجوع وبقينا ثلاثة أيام لم نأكل شيئاً فقال لي أبي : يا بنية قومي بنا إلى الرمل نطلب القتَّ وهو نبت له حب ، فصرنا إلى الرمل فلم نجد شيئاً ، فجمع أبي رملاً ووضع رأسه عليه ، ورأيت عينه قد انقلبت فبكيت وقلت له : يا أبت كيف أصنع بك وأنا وحيدة ؟ فقال : يا بنتي لا تخافي ، فإني إذا مت جاءك من أهل العراق من يكفيك أمري ، فإنه أخبرني حبيبي رسول الله ( ( ٦ ) ) في غزوة تبوك فقال : يا أبا ذر تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ، وتدخل الجنة وحدك ، يسعد بك أقوام من أهل العراق يتولون غسلك وتجهيزك ودفنك . فإذا أنا متُّ فمُدي الكساء