سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٣٥
فلم يعطهم عمر فرصةً للكلام ، وهاجمهم بالجواب بأنهم مخطئون يطلبون منه تطبيق القرآن على نفسه وولاته ، والقرآن عظيم عظيم ، لا يمكن لأحد أن يطبقه كاملاً بل يطبق بعضه ! واستدل عمر على ذلك بأنه لا يمكن لأحد أن يحصي كلماته وحروفه فيراها كلها دفعة واحدة ، أو يستحضرها في ذهنه دفعة واحدة ! فكل دستور لا يرى الحاكم مواده وسطوره وكلماته وحروفه دفعة واحدة ، يسقط عنه تطبيقه كله ، ويكفيه تطبيق جزء منه ، والله يعفو عن الباقي كما يعفو عن السيئات . وهذا الجزء يختاره الخليفة نفسه !
ثم حكم على المصريين بأنهم مفسدون في الأرض ، جاؤوا ليحركوا المسلمين عليه بمطالبتهم بتطبيق القرآن ، لكنه أحضرهم قبل أن يعرف بهم أحد من أهل المدينة ، وإلا لجعلهم عبرة لمن اعتبر وأقام عليهم الحد وقد يكون ضرْب أعناقهم ! ولهذا قال لهم : إرضوا بما ترونه مني ومن عمالي يخالف القرآن ، ولا تثيروا علينا مشاكل !
وأمام هذه الشطارة العمرية داخَ الوفد المصري ، فجمعوا متاعهم وغادروا إلى مصر ، ليستعيدوا هدوءهم من صدمتهم !
ويوجد في عصرنا من يبرر لعمر بأنه لا يجب على الخليفة أن يطبق القرآن حتى يحيط بعلمه ، فإن لم يحط به علماً سقط عنه تطبيقه !
فقد نظَّرَ له سيد قطب فقال في ظلاله ( ٢ / ٦٤٢ ) : ( فهكذا كان عمر المتحرج الشديد الحساسية يسوس القلوب والمجتمع وقد قَوَّمَ القرآن حسه وأعطاه الميزان الدقيق . قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات ولن نكون غيرما علم ربه أن نكون ! إنما المعول عليه هوالقصد والتصويب والمحاولة والرغبة في الوفاء بالإلتزامات ، وبذل الجهد في هذا الوفاء . إنه التوازن والجد واليسر ) !
وكلام سيد قطب إنشائي غيرمفهوم ككلام عمر ، والعجيب أنه يقبل من عمر التطبيق الجزئي للإسلام ولا يقبله من حكام عصرنا ، بل أفتى بكفرهم وكفر مجتمعهم ، ودفع الشباب الأغرار إلى تشكيل منظمات التكفير والهجرة ، والإرهاب باسم الجهاد !