سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٤٠
قد اشتد به ، ولم يقل أحد بأنه قد هجر كما ردد عمر وزعماء حزبه ومرتزقته هذا القول الفاحش أمام رسول الله !
ولم يقل أحد عندنا كتاب الله وهو يغنينا عن وصيتك يا عمر ! إنما قوبل بكل التوقير والتقديس والاحترام ونفذت وصيته حرفياً كأنها كتاب منزل من عند الله بل وأكثر !
فهل لعمر وأبيبكر قداسة عند القوم أكثر من رسول الله ! وبأي كتاب قد أنزل الله بأن الاثنين أولى بالاحترام والطاعة من رسول الله !
ولن تجرؤ على القول بأن فعلهما هذا يستحق اللوم على الأقل لأن العامة والخاصة من أولياء الخلافة التاريخية الذين أشربوا ثقافة التاريخ ، سيدفنوك حياً إن فعلت ذلك ! فهم يعتقدون أن الولاء للخلفاء جزء لا يتجزأ من الولاء لله ، فلو قمت الليل وصمت النهار أبداً ، وكنت غير موال للخلفاء ، لأحلوا سفك دمك حتى بالأشهر الحرم !
فمن الممكن أن يخطئ النبي بعرفهم فهو بشر ! لكن من غير الجائز أن تقول إن أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية قد أخطأ !
أولياء الخلافة التاريخية يعتقدون أن أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم قد فعلوا ذلك برسول الله لحكمة كانت خافية على الناس ! أو فعلوا ذلك ( اجتهاداً ) وبالتالي فإنهم مأجورون أجراً واحداً على إهانتهم لرسول الله ، وعقوقهم له ومعصيتهم لأوامره ! إن هذا لهو البلاء المبين !
لم يصدف طوال تاريخ البشر أن عومل ولي أمر ، سواء أكان نبياً أو خليفةً أو ملكاً أو والياً أو عاملاً وهو مريض ، بالقسوة والجلافة والظلم الذي عاملوا به رسول الله أثناء مرضه !
ولم يصدف طوال التاريخ السياسي للمسلمين أن اعترض المسلمون على أي خليفة أو وال أو عامل أو مسلم أراد أن يكتب وصيته أو توجيهاته أثناء مرضه ، بل على العكس فقد اعتبروا أن كتابة الوصية ، والاستخلاف حق للخليفة القائم وواجب عليه .
قال ابن خلدون الذي أشرب ثقافة التاريخ وآمن بفلسفة معاوية وأساتذته :
( إن الخليفة ينظر للناس حال حياته وتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته ، ويقيم لهم من يتولى أمورهم من بعده !