سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٩٤
فقام عمران بن حصين الخزاعي صاحب رسول الله ( ( ٦ ) ) وقال : يا هذان لاتخرجانا ببيعتكما من طاعة علي ، ولاتحملانا على نقض بيعته فإنها لله رضى ، أما وسعتكما بيوتكما حتى أتيتما بأم المؤمنين ! فالعجب لاختلافها وإياكما ومسيرها معكما فكفَّا عنا أنفسكما وارجعا من حيث جئتما ، فلسنا عبيد من غلب ولا أول من سبق ! فهمَّا به ثم كفَّا عنه !
وكانت عايشة قد شكَّت في مسيرها وتعاظمت القتال ، فدعت كاتبها عبيد الله بن كعب النميري فقالت أكتب : من عايشة بنت أبيبكر إلى علي بن أبي طالب ، فقال : هذا أمر لا يجري به القلم . قالت : ولمَ ؟ قال : لأن علي بن أبي طالب في الإسلام أول ، وله بذلك البدء في الكتاب . فقالت : أكتب : إلى علي بن أبي طالب من عايشة بنت أبيبكر ، أما بعد فإني لست أجهل قرابتك من رسول الله ، ولا قدمك في الإسلام ، ولا غَنَاءك عن رسول الله ، وإنما خرجت مصلحة بين بنيَّ لا أريد حربك ، إن كففت عن هذين الرجلين ، في كلام لها كثير ، فلم أجبها بحرف ، وأخرت جوابها لقتالها . ( لأنه كان أتم عليها الحجة ) .
فلما قضى الله لي الحسنى ، سرتُ إلى الكوفة ، واستخلفت عبد الله بن عباس على البصرة ، فقدِمتُ الكوفة وقد اتسقت لي الوجوه كلها إلا الشام ، فأحببت أن أتخذ الحجة وأفضي العذر ، أخذت بقول الله تعالى : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ، فبعثت جرير بن عبد الله إلى معاوية معذراً إليه ، متخذاً للحجة عليه ، فردَّ كتابي وجحد حقي ودفع بيعتي ، وبعث إليَّ أن ابعث إليَّ قتله عثمان ، فبعثت إليه ما أنت وقتلة عثمان ؟ أولاده أولى به ، فادخل أنت وهم في طاعتي ثم خاصم القوم لأحملكم وإياهم على كتاب الله ، وإلا فهذه خدعة الصبي عن رضاع الملي !
فلما يئس من هذا الأمر بعث إليَّ أن اجعل الشام لي حياتك ، فإن حدث بك حادث من الموت لم يكن لأحد عليَّ طاعة ، وإنما أراد بذلك أن يخلع طاعتي من عنقه ، فأبيتُ عليه ، فبعث إليَّ إن أهل الحجاز كانوا الحكام على أهل الشام ، فلما قتلوا عثمان صار أهل الشام الحكام على أهل الحجاز ! فبعثتُ إليه إن كنت صادقا فسمِّ لي رجلاً من قريش الشام تحل له الخلافة ، ويُقبل في الشورى ، فإن لم تجده سميت لك من قريش الحجاز من يحل له الخلافة ، ويُقبل في الشورى .