سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٦٤٨
الله ، فقدم فيه رجلاً وأخر فيه أخرى ، فإن كان لك الغلبة تقرب إليك بالنصيحة وإن كانت لمعاوية تقرب إليه بالمشورة ، ثم أنشأ يقول :
كاد ومن أرسى ثبيراً مكانه * مغيرة أن يقوي عليك معاويهْ
وكنت بحمد الله فينا موفقاً * وتلك التي أراكها غير كافيه
فسبحان من أعلى السماء مكانها * وأرضاً دحاها فاستقرت كما هيهْ )
وروى الطبري ( ٣ / ٤٦١ ) عن ابن عباس ، قال : ( قدمت المدينة وقد بويع لعلي فأتيته في داره فوجدت المغيرة بن شعبة مستخلياً به ، فحبسني حتى خرج من عنده فقلت : ماذا قال لك هذا ؟ فقال : قال لي قبل مرته هذه : أرسل إلى عبد الله بن عامر وإلى معاوية وإلى عمال عثمان بعهودهم تقرهم على أعمالهم ويبايعون لك الناس ، فإنهم يهدِّئون البلاد ويسكنون الناس ، فأبيت ذلك عليه يومئذ وقلت : والله لو كان ساعة من نهار لاجتهدتُ فيها رأيي ، ولا ولّيتُ هؤلاء ولا مثلُهم يُولَّى ! قال : ثم انصرف من عندي وأنا أعرف فيه أنه يرى أني مخطئ ، ثم عاد إلي الآن فقال : إني أشرتُ عليك أول مرة بالذي أشرتُ عليك وخالفتني فيه ، ثم رأيتُ بعد ذلك رأياً ، وأنا أرى أن تصنع الذي رأيتَ فتنزعهم وتستعين بمن تثق به ، فقد كفى الله ، وهم أهون شوكةً مما كان .
قال ابن عباس : فقلت لعلي : أما المرة الأُولى فقد نصحك ، وأما المرة الآخرة فقد غشك . قال له علي : ولِمَ نصحني ؟ قال ابن عباس : لأنك تعلم أن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى تثبتهم لا يبالوا بمن ولي هذا الأمر ، ومتى تعزلهم يقولوا : أخذ هذا الأمر بغير شورى وهو قتلَ صاحبَنا ، ويؤلبون عليك فينتقض عليك أهل الشام وأهل العراق ، مع أني لا آمن طلحة والزبيرأن يكرا عليك .
فقال علي : أما ما ذكرتَ من إقرارهم ، فوالله ما أشك أن ذلك خير في عاجل الدنيا لإصلاحها ، وأما الذي يلزمني من الحق والمعرفة بعمال عثمان ، فوالله لا أُولي منهم أحداً أبداً ، فإن أقبلوا فذلك خير لهم ، وإن أدبروا بذلتُ لهم السيف .
قال ابن عباس : فأطعني وادخل دارك والحق بمالك بينبع وأغلق بابك عليك ، فإن العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك ، فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم